حسن قاسم
أولاً: ماركس وتحولات العالم
إن قراءة كارل ماركس بعيداً عن الأيديولوجيا الشيوعية تتيح لنا فهم كثير من التحولات التي يشهدها العالم اليوم. فقد كشف ماركس تناقضات الرأسمالية وعلاقة المصالح الاقتصادية بالصراع على السلطة والثروة. ومع هيمنة القطب الواحد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لم يتجه العالم نحو الاستقرار والسلام كما توقع البعض، بل شهد حروباً وتدخلات وصراعات على النفوذ ومصادر الطاقة، وأصبحت مصائر شعوب بأكملها عرضة للتبدل وفقاً للمصالح المتحركة للقوى الكبرى وتحالفاتها. وكأن البشرية تقف على حافة المجهول، فيما تتراجع القيم الإنسانية أمام الحسابات الاستراتيجية. إن ما يجري لا يثبت صحة جميع تنبؤات ماركس، لكنه يؤكد أهمية منهجه النقدي في تحليل التناقضات التي تحكم النظام العالمي.
ثانياً: تجربتي مع الحزب الشيوعي السوري
بعد نحو ثلاثين عاماً من العمل في الحزب الشيوعي السوري، ثم مرحلة من التقارب مع حزب الإرادة الشعبية، اخترت الابتعاد عن التنظيمات السياسية، لا تخلياً عن قناعاتي الفكرية، بل نتيجة تجربة كشفت لي اتساع الفجوة بين الشعارات والممارسة. فقد لمست لدى بعض القيادات تغليب المصالح الشخصية والتنظيمية على المبادئ، والتساهل مع الاستبداد الذي مارسه نظام الأسدين بحق الشعب السوري. وهنا يبرز السؤال: ما قيمة الفكر الذي يرفع شعارات العدالة والتحرر، إذا عجز أصحابه عن اتخاذ موقف حازم من الظلم والاستبداد؟
ثالثاً: القضية الكوردية واختبار المبادئ
تجلّى هذا التناقض بوضوح في مواقف بعض الشيوعيين السوريين من السياسات الاستثنائية التي استهدفت الشعب الكوردي، وفي مقدمتها مشروع الحزام العربي الذي استهدف تغيير التركيبة السكانية في المناطق الكوردية شمالي سوريا، من خلال الاستيلاء على أراضٍ وإسكان أسر عربية فيها. وقد ارتبط المشروع بتوصيات الضابط محمد طلب هلال، وتكرّس تنفيذه خلال سبعينيات القرن الماضي.
والمؤسف أن بعض الشيوعيين برّروا المشروع بحجة أن سياسات إسكان مماثلة طالت مكونات أخرى، نافين أن يكون تغييراً ديمغرافياً منظماً. لكن هذا التبرير لا يغيّر طبيعة الانتهاك، ولا يعفي النظام من مسؤوليته عن سياسات استهدفت الحقوق القومية للكورد. فهل يصبح الظلم مشروعاً إذا طال الآخرين أيضاً؟ وهل يجوز لمن ينادي بالمساواة أن يبرر انتهاك حقوق شعب بحجة أن غيره تعرض للانتهاك؟
خلاصة القول: إن إيماني بماركس هو إيمان بالمفكر الناقد، لا بالأيديولوجيا المغلقة، وبضرورة إخضاع الوقائع للتحليل العلمي بعيداً عن الولاءات الحزبية. لقد علمتني التجربة أن المبادئ تُختبر بالمواقف لا بالشعارات، وأن استقلالية الفكر ليست تخلياً عن القناعات، بل تحرراً من الوصاية التنظيمية. ففي عالم تتقدم فيه المصالح على حقوق الشعوب، تظل العدالة معياراً واحداً لا يجوز تغييره تبعاً للهوية أو المصلحة أو الانتماء السياسي.




