مقالات

في فم الوحش… أين المفر؟

حسن قاسم
يبدو أننا نعيش زمناً اختلطت فيه المعايير، حتى أصبح العهر السياسي يُقدَّم على أنه دهاء، وانعدام الأخلاق يُسوَّق على أنه براغماتية، وأصبحت مصالح الدول الكبرى أثمن من حياة البشر وكرامتهم.
العالم اليوم أشبه بسفينة هائلة تتقاذفها الأمواج، فيما يجلس على دفة القيادة من لا يملك الحكمة ولا المسؤولية، بينما يتقدم الإرهابي إلى واجهة المشهد، ويقتحم صاحب الولاء الأعمى الأسوار، ويختبئ العنصري خلف الحجج والمبررات ليمنح أفعاله القبيحة شيئاً من الشرعية.
والأخطر من ذلك أن هناك مشاريع تُصنع في الغرف المغلقة، وتُقدَّم للبشرية على أنها خلاصها، بينما غايتها الحقيقية أحياناً هي تسطيح العقل، وتفريغ الإنسان من وعيه، وتحويل الشعوب إلى أدوات في صراعات الآخرين.
أما نحن، أبناء هذا الشرق المثقل بالحروب، فكأننا وُلدنا في المكان الخطأ وفي الزمن الخطأ. شعوبٌ تُهجَّر، ومدنٌ تُدمَّر، وأجيالٌ تُحرم من التعليم والعمل والأمل، واقتصادات تُستنزف، فيما يُطلب من الإنسان البسيط أن يكون جندياً في حرب لا يعرف لماذا يخوضها، وأن يدفع من دمه ثمناً لقرارات لم يشارك في صنعها.
نحن في فم الوحش، وفي فوهة البندقية، وحياتنا تتحول إلى أرقام في دفاتر المصالح والبازارات السياسية.
لكن السؤال الذي يطاردنا جميعاً: إلى متى؟
هل قدر شعوبنا أن تبقى وقوداً للحروب؟
هل كتب علينا أن نورث أبناءنا الخوف بدل الأمل، والانقسام بدل الوحدة، والفقر بدل الحياة الكريمة؟
ربما لا نملك تغيير العالم دفعة واحدة، لكننا نملك أن نبدأ بأنفسنا: أن نستعيد وعينا، وأن نرفض الكراهية، وأن نتمسك بالعلم، وأن نرفع قيمة الإنسان فوق قيمة السلاح، وأن نرفض أن تتحول قضايانا العادلة إلى أدوات في أيدي الآخرين.
فالخلاص لا يأتي من بندقية جديدة، ولا من حلف جديد، ولا من زعيم يَعِدُنا بالخلاص ثم يبيع مستقبلنا في أول بازار سياسي.
الخلاص يبدأ عندما يستعيد الإنسان عقله وكرامته، وعندما تدرك الشعوب أن دماء أبنائها ليست سلعة، وأن مستقبلها ليس ملكاً للمتاجرين بالحروب.
وفي هذا الشرق الكئيب، ربما يكون الأمل آخر ما تبقى لنا…
فلا تسمحوا لهم أن ينتزعوه منا أيضاً.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى