محي الدين حاجي
إن القضية الكردية اليوم تحمل خصوصية مركبة إذ تواجه خطراً استراتيجياً يتمثل في محاولات تدجين مشروعها التحرري وإفراغه من محتواه النضالي عبر فرض تسويات سياسية وشعارات براقة تُخفي خلفها رغبة واضحة في كسر شوكة الإرادة القومية الكردية وسد الطريق أمام أي أفق استقلالي حقيقي وهو ما يضعنا وجهاً لوجه أمام الهوة بين سلام الخذلان المفروض وسلام الشجعان المستند إلى الحق والعدالة.
تُطرح غالباً مشاريع التسوية تحت مسمى السلام نتيجة حسابات إقليمية ودولية تخدم مصالح الأنظمة للدول التي تقتسم كردستان ومصالح القوى الدولية لتجسد بامتياز مفهوم( سلام الخذلان). إنها لا تسعى لحل جذري وعادل للقضية الكردية بقدر ما تستهدف إدارة الصراع وتمديد عمر الازمة واحتواء الغضب الثوري للحركة وتفكيك البنى النضالية للقوى التي تطالب بالحقوق القومية للشعب الكردي. والتي قدمت التضحيات والدماء طوال عقود من أجل التحرر من الظلم والاضطهاد القومي بدا من الانتفاضات الكردية المناطقية الى الثورات وخاصة ثورة أيلول التي جسدت مفهوم شعار (كردستان يان نمان) وقوتها المتمثلة بالبشمركة والذي اصبح رمز الحرية والارادة لدى المجتمع الكردستاني، فإن أي تسوية تنحدر إلى مستوى الخضوع وتنتقص من الحقوق الأساسية كحق تقرير المصير والاعتراف الدستوري تعتبر خيانة لدماء الشهداء وخذلاناً للمسيرة النضالية الطويلة التي خاضها الحركة الكردية، مما يعزز حالة الإحباط ويحول النضال من أجل الحرية إلى مجرد تكييف ذليل وخنوع مع واقع الاستبداد.
ويبرز المشروع التركي كنموذج فاقع لهذا السلام المزعوم؛ فهو لا يقدم سلاماً حقيقياً يحترم الحقوق، بل يطرح مشروع “دمج” استسلامي يهدف إلى كسروطمس الفكرالنضالي للحركة الكردستانية في تركيا وسوريا. إن الهدف الأساسي من هذه السياسات هو تحويل الحركة من قوة تغيير تسعى للعدالة والحقوق القومية إلى مجرد فاعل سياسي تقليدي يدور في فلك الأنظمة الغاصبة لكردستان. هذا الدمج القسري ليس سوى صيغة مغلفة لإلغاء الهوية، حيث يُراد للكرد الذوبان في منظومة أمنية وسياسية واقتصادية ترفض أساساً الاعتراف بوجودهم القومي الدستوري على ارضهم التاريخية، مما يعني قبول الهيمنة بشروط المنتصر وإلغاء الاستقلالية السياسية بشكل كامل.
ولعل المأزق الأشد خطورة في هذا المسار هو التناغم الداخلي مع هذا المشروع إذ تتحول أطراف أو قيادات كردية لتحقيق مصالح حزبية وفئوية ضيقة إلى أدوات لتنفيذ أجندات تلك الأنظمة وتكريس سلام الخذلان. عندما تتواطأ أيادي محلية لتمرير هذا المشروع، فإنها تمنح المحتل الغطاء الشرعي لتسويق سياساته وتحول الصراع من قضية حقوق قومية عادلة إلى خلافات جانبية داخل البيت الكردي نفسه. هذا الارتباط بشبكات المصالح التي ترعاها الأنظمة الغاصبة ومصالح القوى الدولية يقوض الوعي القومي ويصنع حالة من اليأس لدى الشارع الذي بات يواجه صدمة مزدوجة تمثلت في ضغط العدو الخارجي وتواطؤ الوكيل الداخلي تحت عنوان الاخوة والديمقراطية .
أن المشاريع الإقليمية المتصارعة ظاهرياً تلتقي جميعها على نقطة واحدة تتمثل في منع ولادة أي مشروع تحرري كردستاني وإبقائه تابعاً ومهزوماً. فمن جهة يستغل الخطاب(القومي-الإسلامي)التركي المتمثل في مشروع الأمة الديمقراطية والاخوة السنية والمسيطر ايضا على المشهد السوري، المشاعر الدينية والتعصب القومي التركي والعربي لتمرير أجندات توسعية تهدف صهر الكرد وإلغاء تميزهم القومي. ومن جهة ثانية، يمارس التمدد الإقليمي (ايران والعراق )عبر الميليشيات والأذرع التابعة، مثل الحشد الشعبي ومن في فلكهم، الدور ذاته في أجزاء أخرى من كردستان، ساعياً لإلحاق القوى السياسية بالمنظومة الإقليمية. وفي كلا الحالتين، يُستهدف الكرد لدفعهم نحو التبعية للمركز عبر تسويات هشة تخدم مصالحهم و الهيمنة على القرار الكردي.
يقوم هذه القوى والأنظمة بتوظيف الرموز الدينية والقومية الكردية لإخضاع ودفن طموحاتهم في ممرات الخذلان. فمثلا يتذكرون صلاح الدين الأيوبي القائد الكردي الأصل في الخطاب السياسي لتذكير الكرد دائماً بواجبهم المفترض تجاه “الأمة الكبرى”، مطالبين إياهم بالتضحية بحقوقهم القومية، وهي مفارقة قاسية حيث يُحرم الكرد من أبسط حقوقهم بينما يُستغل إرث رموزهم. وعلى صعيد شعار “إخوة الشعوب والاخوة في الدين والتاريخ المشترك”، فإنه عندما تشتد الأزمات، تخرج الأنظمة لتشهر هذا الشعار الذي لا يعني في الممارسة سوى إبقاء الكرد رعايا بلا حقوق قومية والتخلي عن مشروعهم التحريري .
وفي المقابل، وفي ظل تشابك هذه الخيوط الإقليمية وتصاعد محاولات التدجين، يبرز الحائط المنيع الذي يقف أمام أصحاب مشاريع الهيمنة هو الوعي القومي وإرادة النضال المتواصلة التي يحملها الشعب الكردي نحو “سلام الشجعان” الحقيقي القائم على العدالة والاعتراف المتبادل لا على الاستسلام. إن استمرارية النضال الكردي تعتمد على وعي القيادة السياسية وبصيرته في قراءة موازين القوى، وتظل قوات البشمركة وقوى الدفاع الكردية الرمز الحي والتجسيد العملي للإرادة الصلبة التي تحمي الأرض والعرض، والضمانة الميدانية لردع أي محاولة تجاوز أو احتواء.
إن مسيرة التحرر الوطني الكردي صُنعت بالدم والصبر والوعي العميق. وبفضل يقظة الإرادة الشعبية في الاجزاء الاربعة، وصلابة البشمركة وارتباطها بشعار (كردستان او الموت) ستبقى بوصلة الكرد واضحة نحو انتزاع حقوقهم التاريخية المشروعة، رافضة كل أشكال الوصاية والتبعية ومهانة سلام الخذلان، ومؤكدة أن الحلم الأبدي بالحرية والكرامة أقوى بكثير من كل مشاريع الاستسلام واما سلام الشجعان او لا سلام في المنطقة دون حصول الكورد على حقوقهم.




