مقالات

كوردستان الدولة التي يعترفون بها بمحاربتها

د. محمود عباس

تُحارَب كوردستان اليوم كما تُحارَب دولة مستقلة، وإن لم يُعترف لها بعد بسيادة الدولة. هذه هي المفارقة التي تكشف طبيعة المرحلة، تنكر الدول المحتلة وجودها في خطابها، ثم تتعامل معها في اجتماعاتها واتفاقياتها وانتشارها العسكري بوصفها حقيقةً قادرة على تغيير توازنات المنطقة.

لقد تجاوز الصراع ملاحقة الشخصيات الكوردية وضرب التنظيمات السياسية؛ وأصبح مواجهةً مع كوردستان الكبرى بوصفها حقيقةً جيوسياسيةً عابرةً للحدود التي قسّمتها، خرجت من عتمة الإنكار لتفرض حضورها في حسابات من يحاربونها.

طوال أكثر من قرن، تدرّجت المواجهة من استهداف الكوردي الذي يسمّي وطنه إلى استهداف الحراك الذي يحمل قضيته. في المرحلة الأولى، كان الكاتب والمثقف والسياسي يُلاحَقون باعتبارهم مصدر الخطر؛ تُحظر كتبهم، وتُصادَر أصواتهم، ويُراد لغيابهم أن يعيد الصمت. ثم اتّسع الحضور الكوردي، فأصبحت الأحزاب والانتفاضات والمؤسسات هدفًا للقمع والحصار. أمّا اليوم، فتتغيّر القيادات والتنظيمات، وتبقى كوردستان الكبرى في مركز المواجهة. وهذا البقاء يكشف حجم ما يُحارَب، وطنٌ صار حضوره أكبر من الجهات التي تتحدّث باسمه.

في 20 أيلول 2017، اجتمع وزراء خارجية العراق وإيران وتركيا في نيويورك لمناقشة استفتاء استقلال إقليم كوردستان، المقرّر في 25 من الشهر نفسه. أعلنوا رفضهم الصريح للاستفتاء، واتفقوا على النظر في إجراءات مضادّة منسّقة، ودعوا إلى جهود دولية لإقناع قيادة الإقليم بإلغائه. هنا لم تكن المواجهة مع عملية مسلّحة أو تنظيم سرّي؛ كانت مع اقتراعٍ يفتح باب السيادة. ثلاث دول اجتمعت لمنع احتمال دولة رابعة.

تلك لحظة كاشفة، ما إن انتقل السؤال من حقوق الكورد داخل العراق إلى حقّهم في تقرير مستقبلهم السياسي، حتى تجاوز الردّ حدود العراق. تعاملت أنقرة وطهران مع الاستفتاء باعتباره مسألة تخصّهما مباشرة. وفي قراءة هذا الموقف، يتّضح أنّ تقسيم كوردستان لم يُنهِ ترابطها في حسابات الدول التي تقتسمها؛ فهي تخشى أن يتحوّل الاعتراف بسيادة جزءٍ منها إلى سابقةٍ تغيّر معنى القضية في أجزائها الأخرى.

وفي غربي كوردستان، ظهرت المواجهة بصيغة مختلفة، لكنّها كشفت الوزن الجيوسياسي نفسه. ففي 17 تشرين الأول 2019، نصّ الاتفاق الأمريكي التركي بشأن شمال شرقي سوريا على وقف العملية التركية مؤقتًا، وإتاحة انسحاب وحدات حماية الشعب خلال 120 ساعة، وجمع أسلحتها الثقيلة وتعطيل تحصيناتها، مع تولّي القوات التركية أساسًا تنفيذ ترتيبات «المنطقة الآمنة». كانت واشنطن وأنقرة تتفاوضان على الانتشار والسلاح والتحصينات والسيطرة على الأرض؛ أي على عناصر قوّةٍ قائمة، لا على قضيةٍ هامشية يمكن تجاهلها.

وبعد خمسة أيام، في 22 تشرين الأول 2019، توصّل بوتين وأردوغان في سوتشي إلى مذكرة نصّت على دخول الشرطة العسكرية الروسية وحرس الحدود السوري لتسهيل إبعاد عناصر وحدات حماية الشعب وأسلحتها إلى عمق ثلاثين كيلومترًا، وعلى ترتيبات للدوريات وإخراجها من منبج وتل رفعت. هكذا أصبح الوجود العسكري الكوردي موضوع اتفاقٍ بين رئيسَي دولتين، وتحدّدت له مسافات ومهل وآليات تنفيذ.

هذه الاتفاقيات لا تمنح كوردستان اعترافًا قانونيًا بالدولة، لكنها تكشف أنّ حضورها بات يفرض تفاوضًا دوليًا على الجغرافية التي تؤثّر فيها. ما كان يُراد اختزاله في «مشكلة داخلية» صار بندًا بين القوى الكبرى. والحدود التي قيل إنّها تحسم المسألة أصبحت موضع ترتيبات عسكرية لمنع تطوّرها.

ويتجلّى البعد السياسي بصورة أشدّ وضوحًا في بيانات مسار أستانا. ففي اجتماع 11 و12 تشرين الثاني 2024، رفضت روسيا وإيران وتركيا إنشاء وقائع جديدة في شمال شرقي سوريا، وأدرجت ضمنها مبادرات الحكم الذاتي التي وصفتها بغير الشرعية، وكذلك مبادرة الانتخابات المحلية. كما أكّدت مواجهة ما تسمّيه الأجندات الانفصالية. هنا اتّسع الاعتراض إلى الإدارة والانتخابات؛ إلى الأدوات التي تجعل حضور المجتمع مؤسّسيًا وقابلًا للاستمرار.

لم تعد البندقية وحدها موضع الخشية؛ صار صندوق الاقتراع أيضًا. وهذا فارق بالغ الدلالة: عندما تصبح الإدارة المحلية والانتخابات موضوع رفضٍ مشترك بين دول، يكون الصراع قد دخل معركةً على مصادر الشرعية وعلى شكل الكيان السياسي الذي يمكن أن ينشأ منها. إنّهم يواجهون إمكان السيادة في مؤسساتها الأولى، قبل أن تحمل اسم دولة مستقلة.

وفي العلاقة بين تركيا والعراق، تحوّل التنسيق إلى آلية أمنية متكرّرة. ووفق العرض الرسمي للخارجية التركية، اعتُبر حزب العمال الكوردستاني «تهديدًا مشتركًا» في اجتماع كانون الأول 2023، ثم أدرجه العراق منظمةً محظورة في آذار 2024. وفي 15 آب 2024، وُقّعت في أنقرة مذكرة للتعاون العسكري والأمني ومكافحة الإرهاب. هذه الوقائع تخصّ تنظيمًا محدّدًا في نصوصها، لكنّها تُظهر كيف يدفع الملف الكوردي دولتين إلى إنشاء ترتيبات تتجاوز المعالجة الداخلية لكلٍّ منهما.

وعلى المحور الإيراني العراقي، أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني، في 28 آب 2023، أنّ بغداد التزمت نزع سلاح جماعات المعارضة الكوردية الإيرانية وإغلاق قواعدها ونقلها قبل 19 أيلول، في إطار الاتفاق الأمني الموقّع في آذار. وبذلك امتدّت مطالب طهران إلى تحديد شروط وجود معارضين كورد داخل إقليم كوردستان، عبر التزامات تُحمَّل لبغداد.

تختلف هذه الوقائع في أطرافها وأهدافها المباشرة، لكنها، في قراءتي، تكشف انتقالًا واحدًا: أصبح الحضور الكوردي عاملًا عابرًا للحدود، تُعقد بشأنه اتفاقيات، وتُنشأ آليات تنسيق، وتُرسم مناطق انسحاب وانتشار، وتُرفض بسببه أشكال من الحكم والتمثيل. وهذا هو المعنى السياسي لمحاربة كوردستان كما لو أنّ دولتها قائمة: التعامل مع قدرتها على التأثير بوصفها قوّةً ينبغي تطويقها، ومع إمكان سيادتها بوصفه واقعًا يجب منع اكتماله.

كوردستان موجودة الآن. وجودها الجيوسياسي لا يعني أنّ سيادتها القانونية قد اكتملت، لكنه يعني أنّها أصبحت حاضرةً في قرارات الدول، حتى عندما تُستبعد من طاولات اتخاذها. ليس لها مقعد في الأمم المتحدة، لكنّ مستقبلها يُناقَش في نيويورك وأنقرة وموسكو وأستانا. وتلك مفارقة وطنٍ يحضر موضوعًا للتفاوض، ويُحرم حقّ الحضور طرفًا فيه.

من هنا انتقلت كوردستان من «دولة الشبح» إلى ثقل الواقع الجيوسياسي. كان الشبح اسمًا يحاولون محوه؛ أمّا الواقع فهو حضورٌ يعجزون عن تجاهله. وكلّما نسّقوا لتقييد هذا الحضور، كشفوا مقدار تأثيره فيهم. وكلّما تجاوزوا حدودهم لمواجهته، أظهروا أنّ تلك الحدود لم تنجح في تفكيك معناه.

بالأمس حاربوا الكوردي الذي نطق باسم وطنه، ثم حاربوا الحراك الذي حمل قضيته. واليوم يحاربون كوردستان الدولة القادمة، ويتعاملون مع احتمال سيادتها بوصفه قوّةً تعمل في الحاضر. إنّهم لا يعترفون بها في القانون، لكنّ صراعهم معها اعترافٌ بوزنها في السياسة. وهذا ما يرعبهم: أنّ كوردستان التي أرادوها غائبةً أصبحت شريكًا مفروضًا في حساباتهم، قبل أن يسمحوا لها بمقعدٍ بينهم.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

2/10/2026 م

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى