مقالات

عندما يعجز الاقتصاد: المحاكمات والرقابة كخط دفاع أخير

نظام مير محمدي

كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

 

لا تبدو التطورات الإيرانية في أواخر سبتمبر/أيلول 2026 وكأنها ملفات منفصلة: عملة تتراجع، أجهزة أمنية تنتشر في الشوارع، محاكمات سياسية تتواصل، وقيود جديدة تلاحق المجالين الإعلامي والرقمي. وقد يكون من الأدق النظر إلى هذه الملفات باعتبارها مظاهر مختلفة لضغط واحد يتراكم على علاقة السلطة بالمجتمع.

في 28 سبتمبر/أيلول، وفي اليوم الذي تحدث فيه مجتبى خامنئي عن إيران باعتبارها «رابع قوة عظمى» وفق توصيف متداول، ثم اعتبرها «القوة الأولى» وفق ما سماه «الحسابات الإلهية»، سجل الريال الإيراني انخفاضاً قياسياً أمام الدولار؛ إذ تجاوز الدولار 240 ألف تومان صباحاً، ثم اقترب من 245 ألفاً خلال اليوم بحسب تقارير السوق.

هذه المفارقة ليست مجرد مادة للسجال السياسي؛ فالعملة هي أحد أكثر المؤشرات حساسية تجاه الثقة والاستقرار. وعندما تفقد العملة المحلية قيمتها بهذه السرعة، ينتقل الأثر من الأسواق إلى الحياة اليومية: أسعار، مدخرات، أجور، توقعات، وقدرة الأسر على التخطيط للمستقبل.

لكن الأزمة لا تتوقف عند الاقتصاد.

ففي المجال السياسي والقضائي، تستمر السلطة في استخدام المحاكم والأحكام وسيلة لضبط المجال العام. وفي 27 سبتمبر/أيلول، أفادت تقارير بإصدار أحكام بحق عدد من الصحفيين والشخصيات الإعلامية، بينها حكم بالسجن لمدة عام على عباس عبدي مع وقف صحيفة «اعتماد» لشهرين، وحكم على صادق زيباكلام بالسجن عاماً مع تعليق التنفيذ لثلاث سنوات ومنعه من النشاط الإعلامي.

وبالتوازي، تتجه السلطة إلى إحكام السيطرة على الفضاء الرقمي؛ فقد كشفت تقارير في سبتمبر/أيلول عن مسودة جديدة لتنظيم الفضاء الإلكتروني تتضمن التحقق من هوية المستخدمين وفرض عقوبات مالية وإدارية وتوزيعاً جديداً لصلاحيات إدارة الإنترنت.

وإذا أُضيف إلى ذلك الانتشار الأمني في الشوارع الذي يتحدث عنه التقرير، فإن المشهد يأخذ شكلاً أكثر وضوحاً: السلطة تواجه الأزمة الاقتصادية بالظبط الأمني، والأزمة السياسية بالقضاء، وأزمة المعلومات بالرقابة الرقمية.

وهذه ليست بالضرورة استراتيجية جديدة في تاريخ الجمهورية الإسلامية؛ فقد اعتمد النظام، في مراحل مختلفة، على المزج بين الأدوات الأمنية والقضائية والإعلامية. الجديد هو تراكمها في لحظة اقتصادية شديدة الحساسية.

ومن هنا تأتي أهمية المحاكمة التي أشار إليها التقرير ضد أعضاء منظمة «مجاهدي خلق» والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية. ففي الجلسة الخامسة والخمسين، بحسب ما نقلته وكالة «إرنا» كما ورد في التقرير، قدم الادعاء الصراع مع المنظمة باعتباره ممتداً منذ 44 عاماً، وطالب بتوسيع نطاق المسؤولية الجنائية ليشمل الانتماء التنظيمي. وهذه وقائع ينبغي قراءتها باعتبارها جزءاً من خطاب الادعاء الرسمي في محاكمة سياسية، لا باعتبارها حكماً مستقلاً على طبيعة ذلك الصراع.

الدلالة السياسية الأوسع هنا أن السلطة لا تزال ترى المعارضة المنظمة باعتبارها ملفاً أمنياً مستمراً، حتى بعد عقود من الصراع. وفي المقابل، ترى المعارضة في هذه المحاكمات دليلاً على استمرار المواجهة بينها وبين النظام. وبين الروايتين، يبقى العامل الأكثر أهمية هو قدرة كل طرف على تحويل خطابه إلى تأثير فعلي داخل المجتمع.

أما ملف الحجاب والرقابة الاجتماعية، فيكشف وجهاً آخر للمسألة. فالأوامر القضائية والأمنية المتعلقة بفرض القواعد الاجتماعية لا تنفصل تماماً عن المعركة الأوسع حول المجال العام: من يحدد قواعد السلوك؟ ومن يملك حق الظهور والتعبير والتنظيم؟ وأين تنتهي سلطة الدولة وتبدأ مساحة الفرد؟

لهذا تبدو الصورة الإيرانية الراهنة أقرب إلى دائرة متداخلة: ضغط اقتصادي يولد توتراً اجتماعياً، والتوتر يدفع إلى مزيد من الرقابة، والرقابة تضيق المجال العام، بينما يؤدي تضييق المجال العام إلى زيادة اعتماد السلطة على أدوات الأمن والقضاء.

وفي المقابل، لا ينبغي اختزال مستقبل هذه المعادلة في نتيجة حتمية. فالأزمات قد تنتج احتجاجاً، لكنها قد تنتج أيضاً مزيداً من القمع أو إعادة ترتيب داخل مؤسسات الحكم أو إجراءات اقتصادية مؤقتة تخفف الضغط.

المؤكد أن خطاب القوة وحده لا يكفي لإخفاء المؤشرات التي تظهر في الأسواق والمحاكم والشوارع والفضاء الرقمي. فالدولة يمكنها أن تعلن امتلاكها قوة عسكرية كبيرة، لكن اختبار قدرتها السياسية يبدأ من مكان آخر: قدرتها على إدارة اقتصادها، واحتواء التوتر الاجتماعي، والحفاظ على المجال العام من دون تحويل المجتمع بأسره إلى ملف أمني.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في المشهد الإيراني: كلما اتسعت الأدوات التي تستخدمها السلطة لإثبات سيطرتها، أصبح السؤال عن طبيعة هذه السيطرة أكثر إلحاحاً.

وختاماً للقول

إن تاريخ الأنظمة الاستبدادية يؤكد أنه كلما ارتفع جدار الأوهام لدى الحكام، كان سقوطهم أكثر فجاءة وقسوة. إن صراع السلطة لن تُحسم نهايته في كواليس الغرف المغلقة والغرف الأمنية المظلمة، بل إن الواقع الحقيقي يتحدد في ميدان المجتمع الفعلي. لقد بلغت الفجوة بين الموائد الخاوية وقلاع الأوهام حد الأزمة الحرج؛ وفي ظل هذه الظروف، يجدر بالقيمين على هذا الوضع أن يدركوا أنه لا يمكن بالاستناد إلى الأرقام الخيالية والروايات المزيفة الصمودُ أمام أمواج الغضب المتراكم لمجتمع لم يعد لديه ما يخسره. إن سد أوهام الاستبداد سيتداعى عاجلاً أم أجلاً تحت الضغط العارم للإرادة الشعبية التواقة للتغيير.

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى