لاوين ابراهيم
من واقع تجربة في العمل الجالياتي الكوردستاني في الخليج، ولا سيما في دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، أتابع الجدل الدائر حول كونفدرالية الجالية الكوردستانية في أوروبا والدور الذي يؤديه السيد شيفا بارزاني فيها، من زاوية تحاول قراءة مسار المشروع وما يرافقه من نقاش، بعيداً عن التبرير أو الهجوم.
لفهم هذا المسار، من المهم العودة إلى مؤتمر الجالية الكوردستانية الذي عقد في أربيل في كانون الأول 2021، بمشاركة ممثلين عن الجالية الكوردستانية من دول عدة، وبرعاية الرئيس مسعود البارزاني. وقد شكل المؤتمر محطة تأسيسية في مسار تنظيم العمل الجالياتي وتوحيد صوته، وهو المسار الذي أفضى لاحقاً إلى الكونفدرالية الحالية.
وفي هذا السياق، برز دور السيد شيفا بارزاني في متابعة المشروع وتوسيع نشاطه. وتقوم الرؤية المعلنة للمشروع على بناء حضور كوردستاني مؤسساتي في الخارج، مع التركيز على اللغة والهوية والتعليم والعلاقات مع المؤسسات الأوروبية، وعلى تجاوز الحزبية الضيقة في العمل الجالياتي.
وهنا تظهر إحدى نقاط الجدل الأساسية: العلاقة مع الرئيس مسعود البارزاني من جهة، ومدى الاستقلال التنظيمي للكونفدرالية من جهة أخرى. وهذه مسألة لا يمكن حسمها بمجرد المواقف أو الانطباعات. فوجود علاقة سياسية أو دعم وتوجيه في مرحلة التأسيس لا يثبت وحده أن المؤسسة حزبية، كما أن إعلان الاستقلالية لا يكفي وحده لإثباتها. المعيار الأهم يبقى في طبيعة العضوية، وآليات اتخاذ القرار، والانتخابات، وتداول المسؤوليات، ومدى مشاركة مختلف الاتجاهات.
ومن الانتقادات التي ظهرت في النقاش العام أيضاً ملاحظة تكرار بعض الشخصيات والوجوه في عدد من الفعاليات والنشاطات. وهذه الملاحظة يمكن قراءتها باعتبارها نقاشاً حول اتساع دائرة التمثيل وتجددها، لا باعتبارها حكماً مسبقاً على المؤسسة. فتكرار بعض الوجوه قد يكون مفهوماً في المراحل الأولى من بناء أي مشروع، لكن اتساع المؤسسة واستمرارها يفرضان عليها أيضاً إتاحة المجال أمام شخصيات وطاقات وتجارب جديدة.
كما أن النقد في مثل هذه المشاريع أمر طبيعي، وقد يأتي من معارضين للفكرة نفسها، أو من أشخاص يؤيدون العمل الجالياتي الكوردستاني لكن لديهم ملاحظات على الأداء أو الإدارة أو طبيعة التمثيل. ولذلك من المفيد التمييز بين نقد الفكرة، ونقد الأداء، ونقد التمثيل، والاعتراض على أشخاص بعينهم، بدلاً من وضع كل الانتقادات في خانة واحدة.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن الكونفدرالية وسّعت خلال عام 2026 نشاطها في مجالات اللغة والتعليم والثقافة، إلى جانب تنظيم مؤتمرات واتحادات والتواصل مع مؤسسات وشخصيات أوروبية. ومن بين هذه النشاطات المؤتمر الأول للاتحاد الدولي للغة الكوردية في ألمانيا، إلى جانب خطوات تنظيمية في عدد من الدول الأوروبية، وهو ما يعكس انتقال المشروع من مرحلة التأسيس إلى مرحلة اختبار قدرته على بناء مؤسسات مستمرة وواسعة المشاركة.
ولهذا، فإن النقاش الأكثر فائدة اليوم هو الانتقال من تقييم الأشخاص إلى تقييم المؤسسة: كيف تُختار القيادات؟ كيف تتجدد الوجوه؟ كيف تُتخذ القرارات؟ وما مدى قدرة الكونفدرالية على استيعاب التنوع السياسي والاجتماعي والمناطقي للكورد في أوروبا؟
ومن المهم أيضاً ألا يتحول النقاش الجالياتي إلى تشخيص للأشخاص أو إلى أحكام مسبقة عليهم، لأن المشاريع العامة تُقاس في النهاية بما تقدمه من عمل ونتائج وما تضيفه إلى المصلحة العامة. ومن الطبيعي أن يختلف الكورد في تقييم الأشخاص والأساليب، لكن الأهم أن تبقى اللغة والهوية والتعليم والثقافة وحضور الكوردستانيين في المجتمعات الأوروبية في صلب الاهتمام. فكل مشروع يساهم في هذه المجالات يستحق أن يُناقش من خلال إنجازاته وآليات عمله ونتائجه، لا من خلال اسم الشخص المرتبط به وحده.
فالعمل الجالياتي الكوردستاني بطبيعته يقوم على تعدد التجارب والانتماءات، ولا يحتاج بالضرورة إلى إجماع سياسي كامل بقدر ما يحتاج إلى قواعد واضحة، وتمثيل واسع، وشفافية، ومؤسسات قادرة على خدمة اللغة والهوية والتعليم والشباب وتعزيز الحضور الكوردستاني في المجتمعات الأوروبية.
وفي النهاية، فإن قيمة أي مشروع جالياتي واسع لا تُحسم بكثرة المؤيدين له أو كثرة منتقديه، وإنما بقدرته على بناء مؤسسة تتسع للتنوع، وتجدد نفسها، وتقدم نتائج ملموسة، وتبقي أبوابها مفتوحة أمام مختلف الطاقات الكوردستانية. وعندها ينتقل النقاش من الأشخاص إلى المؤسسة، ومن الانطباعات إلى معايير يمكن للجميع تقييمها، وتصبح المصلحة العامة هي المعيار الأهم






