مقالات

لماذا مظاهرات غويران- الحسكة مجدداً؟

خطيب حسن

نحن جميعاً نعلم الخلفية السياسية والثقافية للمجتمع المحلي في حي غويران، وهي ليست نتاج هذه المرحلة فقط، بل تمتد إلى عقود سابقة من التربية القومية( العروبية) المتطرفة والمنحرفة. ورغم التقلبات، من الولاء لنظام الأسدين وكرنفالات( بالروح، بالدم..) مروراً بالانقلاب عليه، ومبايعة التنظيمات المتطرفة وداعش، وانتهاء بتأييد نظام الجولاني، ومع هذا كانت الكراهية المتنامية للهوية الكردية هي التي تغذي وحدة الموقف والسلوك لدى أبناء هذا المجتمع، الذي نشأ على أطراف مدينة الحسكة وازدهر منذ بدايات السبعينيات القرن الماضي بدعم من نظام البعث. إذ إن نشوء هذا الحي، والعديد من الأحياء الأخرى، على أطراف المدن لم يكن مجرد نتائج للتطور العمراني ونموه فحسب، إنما أيضاً نتيجة لسياسات التغيير الديمغرافي والتعريب، التي اتبعها نظام البعث في مواجهة التهديد الديمغرافي والسياسي الكردي. وهذا ماكان السبب الرئيس الذي شجع على توسع هذا الحي. وعلى هذا الأساس وعى الكثير من سكان الحيّ، الفقراء والمهمشين منذ البداية، وجودهم. العداء للكرد ومواجهة تهديدهم كان هو نمط الوعي السائد لدى هؤلاء ومبرر وجودهم. فحينما يتعلق الأمر بمواجهة الكرد والتعبير عن رفضهم لايحتاجون إلى ذريعة للانتفاضة ضدهم والتعبير عن عدائهم لقضيتهم وحقوقهم، نتيجة الوعي العنصري المنحرف والمتراكم لديهم، حتى لو كان الكرد عائدين من الحج، أو من تحرير الجولان أو القدس الخ .. يكفي أن تلوح لهم بضرورة القيام بذلك، حتى يهبوا هبة رجل واحد ضد الكرد، فالكرد من وجهة نظر هؤلاء هم سبب بؤسهم وبؤس هذا العالم من حولهم، وهم التهديد الوحيد الذي يواجهونه رغم كل شيء، هكذا تطور هذا الوعي لديهم وتضخم مع نمو الحي..

ما حدث قبل أيام، من همروجة عنصرية صاخبة كانت مفتعلة لأسباب عديدة، وكانت بيئة هذا الحي هي الأمثل لتحقيق المآرب السياسية من وراء افتعالها، لسهولة إثارت المزاج المعاد للكرد فيه، ولهذا تم اختياره كمسرح لتفيذ السيناريو، الذي أعدّ في الدوائر الاستخباراتية. ومن الواضح من مجريات ماحدث بأن المهندس الرئيس الذي أشرف على إعداده كانت المخابرات التركية. ومن تلك الأسباب:

– أولاً، إشغال الرأي العام بالحدث وصرف الأنظار عن المجزرة البشعة بحق العمال العلويين في قرية فاحل- حمص، والاحتجاجات الكبيرة، التي صاحبت تشييع جثامين الضحايا، وتخفيف الأعباء السياسية لهذه الجريمة وعواقبها السلبية عن نظام الجولاني. ولهذا وجدنا الإعلام العربي وقنواته المأجورة انهمكت بحماس في الحديث عن مظاهرة( عرب غويران) وتقديمهم بوصفهم ضحايا لسياسات التهميش، التي تتبعها قسد( بدلالة الكرد) وتستأثر بغنائم المحافظة ومقدراتها، بوصفهم الكرد الأكثر انتفاعاً من وراء اتفاق الاندماج مع سلطة الجولاني وليسوا المتضررين. لقد نجح الإعلام العربي بمقدار الكبير في تحريف اهتمام الرأي وصرفه عن مجزرة حمص وإشغاله بقضية( العرب المحرومين والمقهورين) من سياسات الكرد في الحسكة.
– ثانياً، تصدير السخط المتنامي في المجتمع العربي المحلي على فشل سلطة الجولاني، بسبب الحرمان والتهميش، ولاسيما في مناطق ديرالزور والرقة، التي يشكّل هذا الحي امتداداً عشائرياً لها، باتجاه قسد( بدلالة الكرد) بوصفهم سبب كل هذا البؤس والبلاء، الذي حلّ بهم. إن استراتيجية تحريف مشاعر النقمة والغضب الاجتماعيين وتصديرها في شكل انفعالات عنصرية ضد الكرد تعدّ أفضل وسيلة لخلق استقطاب مجتمعي لصالح السلطة وتبرئتها عن أخطائها الكارثية.
– ثالثاً، تقديم الكرد وكأنهم راضون تماماً عن اتفاق الاندماج، وليسوا ضحايا تسوية أمنية- إقليمية ومساومات على حقوقهم القومية بإشراف التركي. و بالمقابل تصويرهم كلؤماء على مائدة غنائم الجولاني وشركاء في المكيدة ضد عرب المنطقة.
– رابعاً، تعميق فجوة الكراهية القومية بين العرب والكرد وتأزيمها والإبقاء عليها كالنار الراكدة تحت الرماد، بهدف إيقاظها عند اللزوم، عبر التلويح بهذا الشكل البدائي من العنصرية المقيتة ضد الكرد بهدف ترويعهم وإخضاعهم للمسار، الذي رسمه التركي وفرضه عبر اتفاق عبدي الجولاني، والقبول به كقدر حتمي ووحيد.
– خامساً، تقديم مظلوم عبدي وقيادة قسد وتصويرهم بوصفهم( منقذين للكرد) والخيار الوحيد لهم في مواجهة حقد هؤلاء( العنصريين العرب) المتأهبين للانقضاض على الكرد والقضاء على وجودهم، إنهم ضمانة لمستقبلهم ووجودهم. ويقيناً ينبغي اعتبار سياسة الاندماج، التي انتفض ضدها هؤلاء( العرب العنصريون) مكسباً خارقاً للكرد، على حساب العرب. لهذا يتعين الالتفاف حول قيادة قسد والارتهان لإرادتها وحمايتها من الانتقادات الموجهة لها. ولتحقيق هذا الغرض كان لابدّ من خروج مظاهرات كردية، مضادة لتلك المظاهرة العنصرية والتلويح برايات قومية مطبوعة عليها صورة( القائد المخلص)، إلا أنها خرجت بصورة كاريكاتيرية وتهريجية للغاية.

لعله من سخرية القدر، أن عدداً كبيراً من الإعلاميين والمثقفين العرب السوريين، المعارضون بشدة وصخب لنظام الجولاني، لدواع عديدة، أداروا ظهورهم لبرهة لممارسات سلطة الجولاني وأخطائها الكارثية، وتجاهلوا كل تلك الوقائع، وراحوا يتباكون على مصير( عرب الأندلس) في غويران في ظلّ هيمنة( الغزاة الكرد) بقيادة الكاثوليكيين( فرناندو إيزابيلا) المندمجين، الذين استحوذوا على الأرض والسماء، واغتصبوا الماء والهواء، رغم فشلهم في وضع لافتة باللغة الكردية على( دار القضاء) في الحسكة.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى

دور الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا في رصد الانتهاكات وحماية حرية التعبير والدفاع عن حقوق الكتاب والصحفيين ؟

خالد بهلوي تُعد حرية التعبير والكتابة والنشر والوصول إلى المعلومات من الركائز الأساسية للحقوق الثقافية والمدنية حيث تشكل حماية الكتاب والصحفيين جزءًا…