مقالات

بين الأمة الديمقراطية والأمة الإسلامية، أين الأمة الكردية؟

صلاح عمر

حين يُطرح مفهوم «الأمة الديمقراطية» في خطاب حزب العمال الكردستاني ومحيطه السياسي، وحين يُستدعى مفهوم «الأمة الإسلامية» في خطاب التيارات الإسلامية، يبرز سؤال لا يجوز للكردي أن يتجاوزه: أين تقع الأمة الكردية في هذين المشروعين؟ وهل يُسمح لها بأن تعرّف نفسها وتحدد مصالحها ومستقبلها بوصفها أمة ذات هوية ولغة وتاريخ وحقوق قومية؟

المشكلة ليست في أن يكون الكردي يسارياً أو إسلامياً، ولا في أن يؤمن بأخوة الشعوب أو بوحدة المسلمين؛ فهذه خيارات فكرية وسياسية مشروعة. لكنها تبدأ عندما تتحول الأيديولوجيا إلى بديل عن الهوية القومية، ويُطلب من الكردي أن يذيب انتماءه الوطني في مشروع أوسع، ثم يُصوَّر الحديث عن أمته وحقوقها بوصفه تعصباً أو خروجاً على روح العصر.

ومن هنا، يلتقي خطابان يبدوان متعارضين في الظاهر، لكنهما قد يتقاطعان في النتيجة: خطاب يضع الأمة في إطار أممية أيديولوجية تتجاوز الحدود القومية، وآخر يضعها في إطار جماعة دينية تتجاوز الانتماءات الوطنية. وفي الحالتين، يصبح وجود الكرد بوصفهم أمة سؤالاً مؤجلاً أو تفصيلاً ثانوياً، ما دام لا يتعارض مع المشروع الأكبر.

ففي خطاب «الأمة الديمقراطية»، أين تنتهي أخوة الشعوب ويبدأ الحق الكردي في تقرير مصيره السياسي؟ وفي خطاب «الأمة الإسلامية»، لماذا ينبغي أن تكون وحدة العقيدة بديلاً عن الاعتراف بالتعدد القومي واللغوي والحقوق الوطنية؟

إن الإيمان لا يلغي الأمة، والأممية لا تمحو الهوية، وأخوة الشعوب لا تعني أن يتنازل شعب عن حقه في تعريف ذاته. كذلك لا تمنح وحدة المسلمين أي تيار حق مطالبة الكرد بالتخلي عن لغتهم وتاريخهم وحقوقهم القومية. يستطيع الكردي أن يكون مسلماً أو علمانياً، يسارياً أو ليبرالياً، وأن ينتمي إلى مدرسة فكرية عابرة للحدود، من دون أن يصبح انتماؤه القومي عبئاً ينبغي التخلص منه.

غير أن تثبيت هذا الحق لا يقتضي تجاهل تعقيدات الواقع الإقليمي. فقد سعت دول المنطقة، في مراحل مختلفة، إلى احتواء الحركة الكردية أو إضعافها أو التأثير في اتجاهاتها، مستفيدة من الانقسامات الداخلية وتعارض المشاريع السياسية. لكن القول إن الاستخبارات التركية نجحت في إدارة هذه المسارات جميعاً ضمن خطة واحدة، أو أن تياراً بعينه يعمل بالضرورة وفق أجندة أمنية تركية، يحتاج إلى أدلة محددة، لا إلى الاكتفاء بالاستنتاج السياسي.

ومع ذلك، يبقى السؤال المشروع قائماً: من قد يستفيد من انقسام الكرد، ومن قد يستفيد من تحويل قضيتهم القومية إلى مجرد تفصيل داخل مشاريع أيديولوجية أكبر؟

تتضح خطورة هذا المسار حين ينشغل الكردي بإثبات إخلاصه للأممية أكثر من انشغاله بتحديد حقوق أمته، أو يُطالَب بتقديم انتمائه الديني على أسئلته القومية، أو يصبح الدفاع عن اللغة والهوية موضع تشكيك. عندها تدخل القضية في مأزق فكري وسياسي حقيقي. فالهوية القومية ليست نقيضاً للديمقراطية، والحقوق القومية ليست عداءً للشعوب الأخرى، والمطالبة بالاعتراف السياسي لا تعني رفض التعايش أو التنوع.

الخطر ليس أن يكون للكردي انتماء فكري أو ديني؛ الخطر أن يتحول هذا الانتماء إلى شرط للتخلي عن حقه القومي.

لذلك ينبغي أن يتقدم السؤال على الشعارات: هل تمنح هذه المشاريع الكرد القدرة على تنظيم إرادتهم السياسية المستقلة، وتحديد مطالبهم الدستورية، وبناء مؤسسات تمثيلية تعبّر عن تعددهم، أم تجعل القضية الكردية تابعة لأولويات لا يقررها الكرد وحدهم؟ فاستقلال القرار القومي لا يعني الانغلاق أو القطيعة مع الآخرين، بل يعني أن يكون الكرد شركاء في صياغة مشاريعهم، لا مجرد أدوات لتنفيذ مشاريع سواهم.

إن القضية الكردية لا تحتاج إلى الاختباء خلف الأممية كي تثبت ديمقراطيتها، ولا إلى التخلي عن قوميتها كي تثبت إسلاميتها. كما أنها لا تحتاج إلى معاداة الشعوب الأخرى كي تؤكد وجودها، بل إلى وعي سياسي يجمع بين الانتماء القومي والتعدد الفكري، وبين الحقوق الوطنية والتعايش، وبين الهوية والانفتاح.

فالأمة الكردية ليست نقيضاً للأمة الديمقراطية، وليست خصماً للأمة الإسلامية؛ إنها أمة لها وجودها التاريخي وحقها في تعريف نفسها، ولا يجوز لأي مشروع أن يصادر هذا الحق باسم عقيدة أو أيديولوجيا أو أخوة عابرة للحدود.

وعليه، ينبغي أن يبقى السؤال مفتوحاً أمام الكرد: من يحدد أولويات قضيتهم، ومن يملك قرارهم، ومن يحاسب ممثليهم عندما تتعارض الشعارات مع النتائج؟ فالشعب الذي لا يحتفظ بحقه في تعريف نفسه، ولا يملك حرية اختيار ممثليه ومناقشة مشاريعهم، قد يجد نفسه يدافع عن أطر سياسية لا تعبّر بالضرورة عن كامل تطلعاته.

بين الأمة الديمقراطية والأمة الإسلامية، لا ينبغي أن تضيع الأمة الكردية. وبين اليسار واليمين، وبين الأيديولوجيا والعقيدة، يبقى المعيار الأساسي: هل يستطيع الكردي أن يكون ما يؤمن به، من دون أن يُطلب منه أن يتخلى عمّن هو؟

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى

دور الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا في رصد الانتهاكات وحماية حرية التعبير والدفاع عن حقوق الكتاب والصحفيين ؟

خالد بهلوي تُعد حرية التعبير والكتابة والنشر والوصول إلى المعلومات من الركائز الأساسية للحقوق الثقافية والمدنية حيث تشكل حماية الكتاب والصحفيين جزءًا…