علي جزيري
ما يميّز الكُرد عن شعوب الجوار، المنزلة الرائدة التي تحتلها المرأة في القيادة والسياسة والحياة الاجتماعية. فبرزت منهن الكثيرات في تاريخنا من أمثال: الأميرة عدلة خانم زوجة عثمان باشا التي تولّت حكم الجاف في حلبجة بعد رحيل زوجها، وتميّز عهدُها بالحكمة والازدهار، وخنسة زوجه إبراهيم باشا الملّي التي تسنّمت قيادة التحالف العشائري الملّي بعد رحيل زوجها، والأميرة الايزيدية ميان خاتون، وغيرهن كُثُر.
أما الأميرة روشن بدرخان (1909-1992) زوجة جلادت بدرخان، فكانت مناضلةً لا يشقُّ لها غبار، وأنموذجاً يُحتذى بها في الدفاع عن القضية الكردية بشتى الوسائل، ورائدة من رواد النهضة الثقافية الكردية، ومترجمة (كانت تجيد العديد من اللغات) وأول امرأة كتبت في (هاوار)، وشاركت زوجها في إصدارها باللاتينية في زاويتها (ركن المرأة)، مما حدا بالدكتور كمال مظهر إلى القول: (إنها جديرة بأن يُكتب عنها أطروحة دكتوراه من دون ريب).
وبرز معدنها النفيس للعيان إبان حضورها كممثلة عن الكُرد في مؤتمر «مناهضة الاستعمار»، الذي عقد في أثينا عام 1957، جرّاء استماتتها لرفع العلم الكُردي بين أعلام الدول المشاركة فيه.
وكان مشيل عفلق مؤسس حزب البعث موجوداً بدوره في المؤتمر، ويترأس الوفد السوري، ويتأمل علم كُردستان بحنق.
أما المحامي والشاعر اليوناني Savas فتطوّع لطبع كلمة الأميرة، وتوزيعها على الحضور، وجاءها فاتح اسبيرو الحلبي كي يثنيها عن التحدُّث في المؤتمر، وفاتحها قائلاً: في سوريا لا يوجد كُرد، والأستاذ عفلق هو مَنْ يمثّل سوريا، كونه يترأس وفدها المؤلف من 12 شخصاً. ولما رآها لا مبالية بما يقول، اقترح عليها أن تنضم إلى الوفد السوري، لكنها رفضت مقترحه وردته على أعقابه خائباً.
وفد الجزائر بدوره احتجّ على تمثيل كُردستان في المؤتمر، بيد أنها لم تيأس، فتعرّفت على الوفد الإيطالي، وحين رأى أحد صحفيي اليونان ملامح القلق والامتعاض على وجهها، راح يشتم الوفد السوري قائلاً: جاؤوا لمناهضة الاستعمار، وهم يمارسون سياسته على أرض الواقع.
كما التقت على هامش المؤتمر بأحد المصريين، وراحت تتحدّث معه عن القضية الكُردية في البلدان التي تقتسم كُردستان، فاعتذر المصري كونه كان لا يعرف سوى النذر اليسير عن واقع الكُرد، وشجعها أحد الجزائريين قائلاً: امضِ، فالحق يعلو، ولا يُعلى عليه، ولا بدّ أن تظفروا به في النهاية. أما الفتيات اليونانيات فتطوّعن لتوزيع كلمتها على الحضور.
في الجلسة الرابعة التي انعقدت في 5. 11. 1957، دخلت الأميرة إلى القاعة، وجلست في مقعدها المخصص، وفي اللحظة التي نهضت وتوجّهت نحو المنصة لالقاء كلمتها، صرخ كامل حمارنة معترضاً: أين تقع كُردستان؟ ومن هم الكُرد؟ وصاح الشربجي: أنتِ لستِ مدعوة…! بيد أنها كانت رابطة الجأش، وغير مبالية بجعجعتهم، بل اكتفت بابتسامة، إلا أن الرئيس ردَّ: نحن من دعونا الوفد الكُردي لنسمع شكواه، ونعالج معاً الوضع في الشرق الأوسط. وأجاب مدير الجلسة الإنكليزي ردجوي بدوره: كُردستان موجودة منذ الأزل، ونحن الإنكليز من جزأناها. وخلال إلقاء كلمتها رنَّ المدير الجرس مرات عدة ليسكت التونسيين والمصريين المتحالفين مع الوفد الجزائري. وما إن أنهت الأميرة كلمتها حتى دوى التصفيق في القاعة، وحين عادت إلى مكانها انهالت عليها الكثير من التهاني.
———
صحيفة كوردستان / العدد 785



