خوشناف سليمان
ليست القضية أن جيلًا كان أفضل من جيل، ولا أن من ينشطون اليوم أقل صدقًا ممن سبقوهم. القضية تتعلق بتغير شروط الفعل السياسي، وبالطريقة التي نقرأ بها الماضي، وبالمعايير التي نستخدمها للحكم على من عاشوا التجربة النضالية.
فثمة جيل كردي في سوريا عاش السياسة في زمن كانت فيه الكلمة قد تقود إلى السجن، والانتماء السياسي قد يفتح ملفًا أمنيًا، والموقف من الهوية الكردية قد يكلّف صاحبه وظيفته أو دراسته أو حريته. وكان النشاط السياسي يجري في بيئة مغلقة، تفتقر إلى وسائل الاتصال والإعلام التي نعرفها اليوم.
وقد وثقت منظمات حقوقية دولية جانبًا من هذه السياسات، من إحصاء الحسكة عام 1962 وما نتج عنه من تجريد أعداد كبيرة من الكورد من الجنسية، إلى القيود على الحقوق الثقافية والسياسية، والملاحقة والاعتقال والتضييق على النشاط الكردي. لكن الوثائق لا تستطيع دائمًا أن تنقل حجم الخوف اليومي الذي عاشه الناس. كان الإنسان يعرف أن علاقة سياسية، أو كلمة في مجلس، أو ورقة مكتوبة، أو مجرد صلة بشخص ناشط، قد تكون سببًا للمراقبة أو الاستدعاء أو الاعتقال. ولم يكن السجن وحده هو الثمن؛ فقد يكون الثمن وظيفة أو دراسة أو سفرًا أو استقرارًا عائليًا.
لهذا، فإن الحديث عن جيل النضال القديم من دون الحديث عن كلفة النضال يؤدي إلى قراءة ناقصة لتجربته.
المناضل الذي لم تكن لديه كاميرا
هناك فرق كبير بين أن تناضل في زمن مغلق، وأن تنشط سياسيًا في عصر تستطيع فيه أن تصور ما يحدث وتنقله إلى الخارج خلال دقائق.
في الماضي، كان نقل رسالة أو وثيقة من مدينة إلى أخرى مخاطرة. وكانت الصورة تحتاج إلى من يلتقطها ويحفظها ويخرجها من المنطقة، ثم إلى من يستطيع إيصالها إلى الخارج. أما اليوم، فأصبح الهاتف كاميرا ومنصة ووسيلة اتصال في آن واحد.
هذا لا يعني أن النضال اليوم سهل. فالناشط المعاصر يواجه بدوره التشهير والاستقطاب والضغط والملاحقة، وأحيانًا العنف المباشر. لكن أدوات التعبير تغيرت جذريًا.
في الماضي كانت المشكلة أن الحقيقة لا تصل. أما اليوم فأصبحت المشكلة أحيانًا أن الحقيقة تضيع وسط فائض هائل من الصور والخطابات والحملات والروايات المتنافسة.
وهنا يكمن خطر آخر: أن يصبح الظهور معيارًا للحضور التاريخي.
لكن غياب الصورة لا يعني غياب التضحية. ومن لم يمتلك منصة إعلامية لم يكن بالضرورة أقل نضالًا ممن يملكها اليوم.
لذلك ينبغي أن نقيس التجارب بما دفعه أصحابها، لا بما تركوه من صور أو أسرته، ومن ابتعد عن السياسة، ومن حاول أن يعيش بعيدًا عن الصراع. هؤلاء لا يجوز وضعهم تلقائيًا في خانة المتعاونين.
لكن في المقابل، لا ينبغي أن يصبح الخوف ذريعة لإعفاء من شارك فعليًا في إيذاء الآخرين.
فليس كل بعثي مخبرًا، وليس كل موظف في الدولة السورية شريكًا في القمع، كما أن كل من أعلن انتماءه للقضية الكردية لا يصبح تلقائيًا مناضلًا.
المعيار هو الفعل:
ماذا فعل الإنسان؟ ماذا استفاد؟ هل تسبب في أذى؟ هل شارك في الملاحقة أو كتابة التقارير أو حرمان الآخرين من حقوقهم؟ أم كان مجرد موظف يحاول أن يحمي نفسه ويعيش؟
هذه الأسئلة أكثر عدلًا من الأحكام الجاهزة.
حين تتغير الرايات
بعد عام 2011 تغيرت الخريطة السورية، وظهرت مؤسسات وقوى سياسية وعسكرية ومدنية جديدة، ومع التحولات الجديدة، انتقل أشخاص من مؤسسات المرحلة السابقة أو ممن امتلكوا علاقات وخبرات داخلها إلى مواقع في المرحلة الجديدة. هذه الظاهرة تستحق الدراسة، لكنها تحتاج إلى دقة في الحكم.
أما الحديث عن تفاهمات أو ترتيبات أمنية واسعة بين أطراف مختلفة، فينبغي ألا يتحول إلى حقيقة تاريخية لمجرد تداوله سياسيًا. مثل هذه الادعاءات تحتاج إلى وثائق وأسماء وتواريخ وشهادات قابلة للتحقق.
وهنا تظهر حاجتنا إلى ثقافة مختلفة: التوثيق بدل الاتهام. فالإنسان من حقه أن يغير موقفه، وأن يراجع نفسه، وأن يعود إلى هويته، لكن ليس من حقه أن يطلب من الآخرين إلغاء ذاكرته.
إذا أخطأ، فالاعتراف قيمة. وإذا أضر بغيره، فالاعتذار والمساءلة جزء من العدالة.
المشكلة ليست في تغير الموقف، بل في محو ما سبقه.
ضاع الحق مرتين
ربما يكون الجرح الأكبر لدى جيل التجربة النضالية أنه يشعر بأنه خسر حقه مرتين.
المرة الأولى عندما دفع ثمن موقفه في ظل النظام: سجنًا أو نفيًا أو فصلًا أو حرمانًا أو ملاحقة.
والمرة الثانية عندما تغيرت الظروف، فوجد أن بعض الذين استفادوا من منظومة الأمس استطاعوا الانتقال إلى مواقع جديدة، بينما تراجع حضور الذين دفعوا الثمن.
ليس المقصود أن يكون المناضل القديم صاحب امتياز دائم، ولا أن يصبح تاريخ النضال شهادة براءة من كل خطأ. المقصود هو ألا يصبح الشخص الذي دفع الثمن مساويًا، في الذاكرة العامة، لمن استفاد من اضطهاد الآخرين، فقط لأن الاثنين يقفان اليوم تحت الشعار نفسه.
العدالة لا تعني أن نعاقب الجميع، كما لا تعني أن ننسى كل شيء. العدالة تعني أن نعرف الفرق.
من يكتب التاريخ؟
لهذا نحن بحاجة إلى إعادة بناء الذاكرة السياسية الكردية على أساس التوثيق. أن نعرف أسماء المعتقلين والمنفيين والمفصولين والمجردين من الجنسية والملاحقين. أن نجمع شهادات العائلات والمذكرات والرسائل والوثائق الحزبية وسجلات المحاكم والوظائف والتعليم.
وفي المقابل، ينبغي توثيق تاريخ الأحزاب والمؤسسات والشخصيات ومواقفها، بما لها وما عليها.
فلا يكفي أن نقول: هذا كان مناضلًا، وهذا كان بعثيًا، وهذا أصبح معنا.
علينا أن نسأل: ماذا فعل؟ ماذا دفع؟ ماذا استفاد؟ ومن تضرر بسبب أفعاله؟ بهذه الأسئلة يمكن أن ننتقل من الذاكرة العاطفية إلى الذاكرة السياسية.
الخروج من زمن العَكَر
يمكن أن نسمي المرحلة التي نعيشها / زمن العَكَر /: زمن تختلط فيه المواقع بالمواقف، وتتغير الرايات أحيانًا أسرع من القناعات، ويصبح من الصعب التمييز بين المراجعة الصادقة والانتهازية، وبين المصالحة ومحو الماضي. لكن الخروج من هذا العَكَر لا يكون بالتخوين الجماعي ولا بالانتقام. يكون بالذاكرة، والتوثيق، والمساءلة العادلة.
جيل الأمس لا يحتاج إلى أن يُقدس، وجيل اليوم لا يحتاج إلى أن يُدان. كل ما نحتاجه هو أن نعطي كل تجربة حقها، وأن نقيس الأشخاص بما فعلوه وما دفعوه وما تحملوه من مسؤولية.
فمن حق الأجيال الجديدة أن تشق طريقها، لكن ليس من العدل أن تبدأ من الصفر وكأن أحدًا لم يدفع الثمن. ومن حق الإنسان أن يغير موقفه، لكن ليس من حقه أن يغير التاريخ.
ومن حق من أخطأ أن يُسامح، لكن المسامحة لا تعني محو المسؤولية. التاريخ لا ينبغي أن يكتبه الأكثر ظهورًا، ولا الأكثر قدرة على تغيير الراية. التاريخ يجب أن ينصف من دفع الثمن، ويحفظ الحقيقة، ويترك لكل إنسان مسؤوليته عن أفعاله.
وربما تكون هذه هي الخطوة الأولى للخروج من زمن العَكَر: أن نتوقف عن إعادة توزيع صفات / المناضل / و / الخائن / كلما تغيرت موازين القوة، وأن نبدأ في بناء ذاكرة لا تتغير بتغير الرايات.
فالقضية التي لا تحفظ ماضيها، تترك تاريخها لمن يملك القوة على كتابته.
———
صحيفة كوردستان / العدد 785




