مقالات

اللغة الكوردية تبدأ من الإدارة.. أم أن الإدارة تبدأ من اللغة؟

عبدالكريم ميراني

من القضايا التي تستحق نقاشاً جدياً في غربي كوردستان، مسألة ترتيب الأولويات في مشروعنا السياسي والثقافي. فكثيراً ما ننشغل بالقضايا الثانوية، ونترك السؤال الأساسي.!

ما الإطار السياسي والإداري الذي يمكن من خلاله تحويل حقوقنا الثقافية واللغوية إلى واقع مؤسساتي مستدام؟

ومن أبرز الأمثلة على ذلك قضية اللغة الكوردية، نحن نطالب بحق الكورد في تعليم لغتهم، وبأن تكون اللغة الكوردية لغة رسمية في مناطق وجودهم، وأن تُستخدم في المؤسسات والدوائر والمراسلات الرسمية.

وهذه مطالب مرتبطة بحقوق لغوية وثقافية، لكن السؤال الذي يجب أن يسبقها هو:

من هي المؤسسة التي ستعتمد اللغة الكوردية رسمياً؟ ومن يمتلك الصلاحية القانونية لاستخدامها في الإدارة والتعليم والمراسلات؟

فاللغة الرسمية لا تعيش فقط في الكتب والمدارس والندوات الثقافية؛ بل تحتاج إلى مؤسسات تستخدمها بصورة يومية: في البلديات، والمدارس، والجامعات، والمحاكم، والدوائر الخدمية، والسجلات، والمراسلات، والإعلانات والوثائق الرسمية.ومن هنا تظهر أهمية الإدارة.

إذا كانت هناك إدارة كوردية معترف بها قانونياً، وتمتلك صلاحيات واضحة، يصبح بالإمكان بناء منظومة متكاملة: تعليم باللغة الكوردية، مناهج رسمية، مؤسسات تعتمدها في عملها، موظفون يجيدون استخدامها، ومراسلات ووثائق تصدر بها. وعندها تتحول اللغة من مطلب ثقافي إلى لغة حياة يومية ولغة مؤسسة. أما إذا بقيت اللغة خارج إطار مؤسساتي وقانوني واضح، فستظل هناك فجوة بين المطالبة بحق استخدامها وبين القدرة الفعلية على استخدامها في الحياة العامة.

وماذا عن الطالب الكوردي؟

 إذا درس الطالب الكوردي لغته في المدرسة ثم واصل دراسته الجامعية، فمن الطبيعي أن نسأل: ما المجال الذي سيستخدم فيه هذه المعرفة بعد التخرج؟

إذا لم توجد مؤسسات تعتمد اللغة الكوردية، فإن دراسة اللغة قد تبقى محدودة الأثر في سوق العمل والإدارة العامة. أما وجود مؤسسات إدارية وتعليمية تعتمد اللغة فيخلق حاجة حقيقية إلى المدرّسين، والمترجمين، والموظفين الإداريين، والقانونيين، والإعلاميين، والباحثين وغيرهم من أصحاب الاختصاص. وهنا تصبح اللغة جزءًا من منظومة متكاملة:

اعتراف قانوني، إدارة ومؤسسات، تعليم رسمي، كوادر متخصصة، استخدام إداري للغة، ترسيخ اللغة في الحياة العامة. هل يعني ذلك تأجيل قضية اللغة؟

ليس بالضرورة. المقصود ليس أن نقول: «نترك اللغة إلى حين تحقيق الإدارة»

وإنما أن نضع القضيتين في سياقهما الصحيح يمكن العمل على حماية اللغة وتعليمها وتطوير المناهج والأبحاث والمؤسسات الثقافية في الوقت نفسه الذي يجري فيه العمل السياسي من أجل تثبيت إطار إداري وقانوني يضمن استخدامها رسمياً.

لكن الخطأ هو التعامل مع اللغة وكأنها قضية منفصلة عن شكل الإدارة

وصلاحياتها. فالاعتراف باللغة وحده لا يحلُّ كلّ شيء، كما أن وجود إدارة من دون سياسة لغوية واضحة لا يحمي اللغة بالضرورة. وماذا يعني الاعتراف من دمشق؟

وهنا يجب أن يكون النقاش واضحاً:

ما الصلاحيات المطلوبة؟ ما حدودها؟ كيف تُدار المؤسسات؟ ما علاقة الإدارة بالحكومة المركزية؟ كيف تُوزع الموارد؟ وما الوضع القانوني للغات والتعليم والقضاء والإدارة؟

هذه أسئلة أكثر أهمية من الاكتفاء برفع شعار «اللغة الرسمية»، لأنها تبحث في الآلية التي تجعل هذا الحق قابلاً للتطبيق والاستمرار.

إذن: القضية الكوردية ليست قضية لغة فقط، كما أنها ليست قضية إدارة فقط. إنها منظومة مترابطة من الحقوق السياسية والثقافية والإدارية والتعليمية.

ولهذا ينبغي أن نعيد ترتيب النقاش:

نحتاج إلى اعتراف قانوني واضح بالحقوق، وإلى إدارة تمتلك صلاحيات واضحة، وإلى مؤسسات قادرة على ممارسة هذه الصلاحيات، وعندها يمكن للغة الكوردية أن تأخذ مكانها الطبيعي في التعليم والإدارة والمراسلات والحياة العامة.

فاللغة لكي تصبح لغة رسمية تحتاج إلى مؤسسات تستخدمها، والمؤسسات لكي تعمل بصورة قانونية تحتاج إلى صلاحيات واعتراف. ومن هنا، ربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط:

«كيف نجعل اللغة الكوردية رسمية؟»

بل: «ما الإطار السياسي والقانوني والإداري الذي يجعل استخدام اللغة الكوردية رسمياً وممكناً ومستداماً؟»

هذا هو النقاش الذي يستحق أن يأخذ مساحة أكبر في الوسطين السياسي والثقافي الكوردي.

———

صحيفة كوردستان / العدد 785

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى