مقالات

الجالية الكوردية في أوروبا: بين السطوة الحزبية وانكفاء النخب المستقلة

محمد سليم برهك

تُعدّ الجالية الكوردية في أوروبا واحدة من كبرى الجاليات المهاجرة وأكثرها حيوية، إلا أن حراكها المؤسساتي في المهجر يعيش اليوم تحت وطأة شرخ عمودي مستحدث، حوّلها من مشروع «لوبي قومي جامع» إلى ساحة للاستقطاب السياسي المفرط.

إن الغالبية العظمى من المهاجرين الكورد لم يتركوا ديارهم رغبةً في الهجرة، بل أُجبروا على ذلك. فلو أُتيحت لهم فرص حقيقية للعمل القومي والخدمة من أجل بلدهم الأم، لما غادروه.

لقد بدأت الرحلة بالنزوح من كوردستان سوريا «روجآفا» إلى إقليم كوردستان العراق، بحثاً عن الأمان وعن فرصة لخدمة قضيتهم، لكنهم صُدموا بغياب أي أفق حقيقي للعمل الوطني هناك.

فحتى القنوات التي خُصصت لهم، مثل العمل الحزبي أو الانخراط في صفوف «بيشمركة روج»، خضعت لمعايير حزبية ضيقة ومصالح شخصية، حيث فُرض على الشاب والمثقف أن يكون مجرد تابع ومصفق و«طبل» ينفذ الأوامر دون نقاش.

هذا الانسداد التام دفع كثيرين منهم إلى الهروب الجماعي نحو أوروبا، بحثاً عن الحرية والمستقبل.

لكن المفارقة المؤلمة هي أن الحزبية التي هرب منها الكورد في الداخل لاحقتهم إلى المغترب. فاليوم، تُدار المفاصل الأساسية لمؤسسات الجالية وممثلياتها في العواصم الأوروبية بمركزية واضحة من قِبل التحالف السياسي بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني (KDP) والمجلس الوطني الكوردي (ENKS).

وبصفتهم الممول والضامن اللوجستي، يسعى الحزب إلى فرض سيطرته الكاملة ووضع المغتربين تحت عباءته السياسية، فيما يجري فرض الممثلين عبر تعيينات فوقية ترتكز على الولاء المحض، ما أعاد إنتاج عقلية إقصائية تقوم على شعار: «إن لم تكن معنا ومصفقاً لنا فأنت ضدنا».

وبهذا المنطق، يتحول أي صوت ناقد إلى «عدو» يتم عزله وتخوينه وإبعاده عن دوائر التأثير.

وفي ظل هذا الاحتكار، يجد المثقف والمواطن الكوردي المستقل نفسه في مساحة حرجة. فعندما يرفض التبعية العمياء والانخراط تحت العباءة الحزبية، يُحرم من المنابر ووسائل الإعلام الموجهة.

ورغم سياسة التهميش، يحاول المثقف المستقل أن يلعب دور الرقيب و«صوت الضمير» عبر فضاءات بديلة، فيتجه نحو المراكز الأكاديمية المستقلة أو المنصات الرقمية، لنقل عدالة القضية الكوردية إلى المجتمعات الغربية بلغة حقوقية وإنسانية رصينة، بعيداً عن البروباغندا الحزبية الضيقة التي فرّ منها في وطنه.

إن إصرار الأحزاب على معاملة الجالية باعتبارها امتداداً تنظيمياً لها أدى إلى نتيجة عكسية وخطيرة، تمثلت في انسحاب وانفضاض مجموعات واسعة من المثقفين والكتل الشبابية التي ولدت ونشأت في بيئة أوروبية منفتحة لا تقبل الوصاية.

وترفض هذه الطاقات وعود التعيين المشروط بالولاء، وتفضّل الانسحاب الكامل، أو البحث عن مساحات بديلة داخل الأحزاب والمنظمات المدنية الأوروبية، حيث تجد فرصاً أوسع للمشاركة والعمل بعيداً عن الاصطفافات الحزبية التقليدية.

وبذلك، تحولت كثير من المؤسسات الحزبية في المغترب إلى هياكل بيروقراطية معزولة تفتقد النبض الحقيقي، بينما خسرت الجالية جزءاً مهماً من طاقاتها وعقولها الاستراتيجية في معارك جانبية لا تخدم سوى الأطراف التي تستفيد من بقاء الصوت الكوردي مشتتاً ومنقسماً.

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى