مقالات

لا تيأسوا… فنصف الكأس لا يزال مليئًا بالأمل

علي شمدين
بالتزامن مع تراجع دور الحركة الكردية في سوريا، وتشتّت صفوفها، وخروج ملف القضية الكردية من بين يدي ممثليها الحقيقيين، تتوسع دائرة اليائسين في الأوساط الكردية، ولا سيما في الوسط الشبابي، وهم يتساءلون: ماذا فعلت الحركة الكردية في سوريا خلال ما يقارب سبعة عقود من نضالها؟ وماذا يمكنها أن تفعل، في وقت تكاد فيه الفرص التاريخية التي أُتيحت لها خلال ما يزيد على خمسة عشر عامًا من عمر الأزمة السورية أن تفوتها؟ وذلك في وقت تنشغل فيه أطرافها بخلافاتها الثانوية العقيمة، وتتنافس على بعض المناصب الإدارية والبرلمانية والعسكرية التي لا تشكّل جوهر القضية الكردية في سوريا.
لا شك أن بين هؤلاء المتسائلين من يهمهم أن تكون الحركة الكردية في سوريا بخير، وأن تؤدي دورها بنجاح، وهؤلاء من حقهم بالتأكيد أن يمارسوا دوراً رقابياً عليها، وأن ينتقدوها ويطالبوها بإصلاح أخطائها، وهي ليست بقليلة، وتحسين أدائها بما ينسجم مع المتغيرات الجذرية العاصفة التي حملها القرن الحادي والعشرين.
ولكن هناك أيضاً من يسعى، عن سابق إصرار وتصميم، ولغايات غير نبيلة، إلى تشويه نضال هذه الحركة والانتقام من قياداتها العنيدة التي ضحّت بالغالي والنفيس من أجل إبقاء جمرة النضال القومي متأججة، وخاضت نضالها المرير بين مطرقة السياسات الشوفينية والمشاريع العنصرية التي انتهجتها الأنظمة الديكتاتورية التي تعاقبت على حكم البلاد، بهدف إنهاء الوجود الكردي وتغيير ديمغرافية مناطقه، وسندان الجهات المغامرة بمصير الشعب الكردي والمضلِّلة التي لم تتوانَ، ولو للحظة، عن ضخ الشعارات المزايدة وغير الواقعية، مثل شعار تحرير وتوحيد كردستان ومدّ حدودها إلى البحر، موفِّرة بذلك الذرائع المجانية، بقصد أو من دونه، للجهات الشوفينية الحاقدة التي لم ترَ القضية الكردية إلا ورماً سرطانياً لا علاج له سوى البتر والاستئصال.
لقد انطلقت الحركة الكردية في سوريا مع تأسيس أول حزب سياسي كردي بتاريخ 14 حزيران 1957، على يد نخبة سياسية مستنيرة، قادها الأكاديمي اللامع نور الدين زازا، وحرصت تلك النخبة على انتهاج سياسات موضوعية وازنت بين البعدين القومي والوطني بدقة عالية، وتبنّت شعارات واقعية تنسجم مع خصائص الشعب الكردي في سوريا، تمثلت في المطالبة سلمياً بالحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية، فنجحت هذه الحركة في إيقاظ الوعي القومي لدى الجماهير الكردية الغارقة في التخلف والجهل، والمحرومة من أبسط سبل العيش الكريم، وجنبتها كوارث محتملة، وامتدت تنظيماتها كالنار في الهشيم بين صفوف تلك الجماهير، ولكن سرعان ما استنفرت تلك الجهات التي لم تكن تروق لها مثل هذه الانطلاقة الصحيحة للحركة الكردية في سوريا، وقامت بالتصدي لها بكل الوسائل المتاحة لديها.
ففي الوقت الذي كان الشوفينيون يوصمون الحركة الكردية في سوريا بالانفصالية ومحاولة اقتطاع أجزاء من سوريا وإلحاقها بدولة مجاورة وإنشاء إسرائيل الثانية، كان المزايدون والانعزاليون والمغامرون ينهشون جسدها، ويوصمونها بالتخاذل والمساومة والانبطاحية. فتعاونت تلك الجهات معاً في حقن الحركة الكردية في سوريا بفيروس الانشقاقات، وحالت دون بناء شخصيتها الاعتبارية المستقلة، مثلما وقفت بالمرصاد لجميع شخصياتها السياسية الكاريزمية وكوادرها التنظيمية البارزة، ونجحت، مع الأسف الشديد، في اغتيالها سياسياً، ولعل تجربة نور الدين زازا تعكس هذه الظاهرة بأسوأ أشكالها على الإطلاق.
ومن هنا، وبعد ما يزيد على نصف قرن من النضال القومي المرير، وما يقارب عقداً ونصفاً من الأزمة السورية الكارثية، نقف اليوم عند مفترق طرق خطير، قادتنا إليه الجهات الشوفينية والإنعزالية، التي تشكّل معاً وجهين لعملة واحدة، ولا تزال تقودنا إلى أحد هذين الخيارين: خيار القبول بالأمر الواقع والانخراط في عملية الدمج التي لا تلبي سوى القليل من الحقوق الثقافية واللغوية للشعب الكردي في سوريا، أو العودة إلى نقطة الصفر والانزلاق إلى حرب داخلية لن تنتهي إلا بالإجهاز على ما تبقى من الوجود الكردي.
ولكن على الرغم من ذلك، فإن نصف الكأس لا يزال مليئاً بالأمل، ولا بديل عن حماية الحركة الكردية في سوريا، بما لها وما عليها، إن سارعت إلى تفعيل مخرجات كونفرانس 26 نيسان 2025، الذي وضع اللبنة الأولى لبناء شخصيتها الاعتبارية، والتحصّن بشرعية هذا الكونفرانس، التي تصون، إلى حد ما، استقلالية قرارها السياسي، والعمل بصوت واحد وموقف واحد من أجل البناء على ما تحقق من مكاسب ثقافية ولغوية، على قلتها، واستكمالها بحقوق سياسية، والإقرار بوجود الشعب الكردي بوصفه ثاني أكبر قومية في البلاد، وتثبيت حقوقه في الدستور الجديد.
٣٠ أيلول 2026

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى