عنايت ديكو
نشرت المجلة الألمانية الرصينة DER SPIEGEL عام 2007، في عددها رقم 50، تحقيقاً مفصلاً حول أرشيف الثورة البلشفية في روسيا عام 1917. وأطلقت على غلافها عنواناً لافتاً وترويسة صادمة حول الثورة البلشفية، إذ وصفت ثورة أكتوبر بأنها «الثورة المُشترَاة»: „Die gekaufte Revolution “.
أي: «الثورة التي اشترتها ألمانيا» من اليساريين والثوار والقوى الاشتراكية بمبلغ قُدّر بمليون مارك ذهبي ألماني.
المجلة: DER SPIEGEL
العدد: Nr. 50/2007
تاريخ الصدور: 10 كانون الأول/ديسمبر 2007
العنوان على الغلاف: „Die gekaufte Revolution“
العنوان التوضيحي: „Wie Kaiser Wilhelm II. Lenins Oktoberrevolution finanzierte“
وبحسب ما أوردته المجلة واستندت إليه من وثائق وأرشيفات، فإن ألمانيا قدّمت دعماً مادياً ومعنوياً ولوجستياً للقوى الثورية الروسية، وكانت لها صلات بتمويل جريدة «پراڤدا» الشيوعية، التي كانت تُطبع بتمويل ألماني وتدخل إلى روسيا عبر الحدود الفنلندية، ثم تُوزّع على العمال والفلاحين والنشطاء الثوريين.
وتشير DER SPIEGEL، استناداً إلى الوثائق الأرشيفية، إلى أن الاستخبارات الألمانية موّلت نشاطات ثورية روسية بمبالغ كبيرة من الماركات الذهبية الألمانية.
كما تقول المجلة إن العلاقة بين ألمانيا وفلاديمير لينين جاءت عبر العرّاب الاشتراكي ألكسندر پارفوس، الذي فتح أبواب برلين أمام لينين وحركته السياسية وعدد من رفاقه في التيار الاشتراكي.
ونجح ألكسندر پارفوس في تسهيل عبور لينين ورفاقه من سويسرا، عبر الأراضي الألمانية، إلى روسيا مروراً بفنلندا. وتقول المجلة إن الأموال التي دفعتها برلين إلى القوى والعناصر الثورية الروسية أثناء الحرب العالمية الأولى تُعد من أكثر صفحات القرن العشرين إثارةً للجدل.
لكن روسيا عام 1917 لم تكن دولة مستقرة تنتظر من الخارج من يشعل فيها النار؛ كانت النار مشتعلة أصلاً.
فقد استنزفت الحرب الإمبراطورية الروسية، وتراكمت الهزائم العسكرية، واضطرب التموين، واشتدت أزمة المدن، وارتفعت أصوات الجنود والفلاحين والعمال. وكانت روسيا تحتاج إلى عود ثقاب صغير كي تنفجر الأوضاع في وجه القيصر.
في المقابل، كانت ألمانيا تخوض حرباً على جبهتين، وكانت تدرك أن استمرار روسيا في الحرب يعني بقاء جزء كبير من القوة العسكرية الألمانية مقيداً في الجبهة الشرقية.
ولهذا فتحت برلين أبوابها أمام الثوار الروس، واستقبلت مهندس عملية الدعم والتمويل ألكسندر پارفوس، الذي اقترح على الألمان استخدام القوى الثورية الروسية كسلاح استراتيجي في الحرب ضد روسيا نفسها. كما طرح فكرة التمويل الألماني للثورة في روسيا، فكانت الموافقة على الطاولة.
علماً بأن الدولة الألمانية لم تكن تبحث عن حرية الشعب الروسي، ولا عن العدالة الاجتماعية، ولا عن انتصار الاشتراكية والشيوعية. كانت تبحث عن هدف أكثر بساطة ووضوحاً: إخراج روسيا من الحرب وتحييدها.
وفي شباط/فبراير وآذار/مارس عام 1917، عمت الفوضى وانطلقت شرارة الثورة الروسية.
وفي نيسان/أبريل 1917، عبر لينين ورفاقه الأراضي الألمانية في قطار محكم ومغلق، متجهين من سويسرا، عبر الأراضي الألمانية، إلى روسيا.
لم يكن القطار مجرد وسيلة نقل؛ فقد أصبح لاحقاً رمزاً سياسياً لعلاقة معقدة بين الثورة والحرب والمصلحة الدولية.
وصل لينين إلى بتروغراد ومعه مشروع سياسي واضح، وطرح برنامجاً شديد الوضوح يقوم على:
* إنهاء الحرب.
* نقل السلطة إلى السوفييت.
* توجيه الثورة نحو مرحلة جديدة.
واستطاع لينين، من خلال الدعم والتمويل الألماني، شراء المطابع وتمويل الصحف، وخاصة منشورات «پراڤدا»، وتحريك الشبكات وتسهيل السفر وتوسيع قدرة الجماعات الثورية على التواصل مع الجماهير.
وبعد أن انتصر البلاشفة في أكتوبر/تشرين الأول 1917، لم تكن روسيا قد تحولت فجأة إلى مجتمع بلشفي متجانس، بل كان الأمر أقرب إلى استيلاء قوة ثورية منظمة على مركز دولة كانت منهارة سياسياً وعسكرياً.
وفي 3 آذار/مارس 1918، وقّعت حكومة لينين الثورية مع ألمانيا معاهدة «بريست-ليتوفسك»، التي أخرجت روسيا من الحرب بشروط قاسية ومهينة للغاية.
أما بالنسبة إلى برلين، فقد بدا المشهد للحظة وكأن الخطة قد نجحت:
* خرجت روسيا من الحرب.
* انهارت الجبهة الشرقية، وساد فيها الهدوء.
* وأصبحت ألمانيا قادرة على نقل قواتها إلى الجبهة الغربية.
لكن السياسة الدولية لا تمنح انتصارات مجانية.
فمشروع لينين تجاوز حدود روسيا نفسها. لم يكن لينين يريد مجرد السلام مع ألمانيا، بل كان يريد تصدير الثورة البلشفية. وكان يرى أن النظام الرأسمالي الذي أنتج الحرب العالمية الأولى ليس نظاماً ينبغي التعايش معه، بل نظاماً ينبغي تجاوزه والقضاء عليه.
وهنا خرج الوحش من الحسابات التي حاولت استخدامه، وظهرت شبكة معقدة من المصالح والنتائج والشروط المتداخلة.
هكذا انتصرت الثورة البلشفية بقيادة لينين، بعد أن استفادت من الدعم والتمويل الألمانيين، وعبر دهاء وذكاء مهندس ملف الثورة ألكسندر پارفوس.
فالذين يدفعون المال قد يشترون الوقت، والأدوات والوسائل، وربما يسرّعون الأحداث؛ لكنهم لا يستطيعون شراء المستقبل.
أرادت ألمانيا أن تستخدم الثورة لإسقاط روسيا من الداخل، بينما أراد لينين أن يستخدم الحرب لإشعال الثورة. وفي النهاية، لم يحصل أي طرف على كل ما خطط له.
والثورات، مثل التاريخ، لا تبقى طويلاً في يد من يظن أنه صنعها.
ربما لهذا السبب لا تزال قصة لينين وبارفوس والقطار المغلق تستحق أن تُقرأ اليوم، لا باعتبارها حكاية عن روسيا وألمانيا فقط، بل باعتبارها درساً دائماً في السياسة:
حين تدخل المصالح الخارجية إلى أزمة داخلية، فإنها قد تغيّر سرعة التاريخ واتجاهه، لكنها لا تضمن أبداً نهايته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



