مقالات

بعد الانسحاب الأمريكي من العراق.. هل تتغير المعادلة الأمنية؟

حسن قاسم
يثير الانسحاب الأمريكي من العراق، في هذه المرحلة الإقليمية شديدة التعقيد، جملة من الأسئلة حول مستقبل الأمن العراقي وأمن إقليم كوردستان، خصوصاً مع تحذيرات الرئيس مسعود بارزاني من احتمال حدوث فراغ أمني قد تستفيد منه خلايا داعش لإعادة تنظيم صفوفها واستئناف نشاطها الإرهابي.
وتزداد المخاوف في ظل استمرار وجود فصائل مسلحة مرتبطة بإيران ضمن الحشد الشعبي، بعضها لا يبدي استعداداً للتخلي عن سلاحه أو الالتزام الكامل بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة، الأمر الذي يجعل المشهد الأمني العراقي أكثر هشاشة ويضع الحكومة أمام تحديات كبيرة.
لكن السؤال الأهم: هل يعني الانسحاب الأمريكي نهاية الدور الأمريكي في العراق، أم أنه انتقال إلى مرحلة جديدة بأدوات مختلفة؟
المؤشرات المتاحة لا تؤكد وجود خطة أمريكية معلنة لمواجهة الفصائل المسلحة عسكرياً، أو لخوض حرب مباشرة داخل العراق، لكن من الواضح أن واشنطن ستظل معنية بمنع تحول العراق إلى ساحة مفتوحة للنفوذ الإيراني أو عودة داعش. ومن هنا تبرز أهمية بناء مؤسسات أمنية عراقية قادرة على ضبط السلاح وحماية الدولة.
وفي هذا السياق، يكتسب توحيد قوات البيشمركة أهمية خاصة. فهذه الخطوة، التي جرى إنجاز مراحل مهمة منها بدعم دولي وأمريكي، يمكن أن تمنح إقليم كوردستان قوة أمنية أكثر تنظيماً ومؤسساتية، وتجعله شريكاً أكثر فاعلية في مواجهة الإرهاب وحماية الاستقرار، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تحويل البيشمركة إلى طرف في صراع داخلي عراقي.
أما الحديث عن تعاون أمريكي مستقبلي مع بغداد وأربيل للضغط باتجاه نزع سلاح الفصائل المسلحة، فقد يكون أحد السيناريوهات المطروحة، لكنه لا يزال رهناً بتطورات الصراع الأمريكي ـ الإيراني وبقدرة الحكومة العراقية على فرض سلطة الدولة. وإذا وصلت الأمور إلى مواجهة مسلحة، فإن تداعياتها ستكون خطيرة على العراق والمنطقة بأسرها.
وهنا تبرز قضية أخرى لا تقل أهمية بالنسبة للكورد: هل ستبقى الولايات المتحدة إلى جانب حلفائها عندما تتغير مصالحها، أم سيتكرر سيناريو سوريا؟
التجربة السورية تجعل هذا السؤال مشروعاً. فالتحالفات الدولية ليست ضمانة دائمة، والسياسة الأمريكية تتحرك وفق مصالحها الاستراتيجية المتغيرة. ولذلك فإن الرهان الكوردي لا ينبغي أن يقوم على الوجود الأمريكي وحده، بل على بناء قوة ذاتية ومؤسسات موحدة وموقف سياسي متماسك.
وإقليم كوردستان يملك اليوم عناصر مهمة تميّزه عن الحالة السورية: مؤسسات دستورية، وقوات بيشمركة، وعلاقات إقليمية ودولية واسعة. لكن المحافظة على هذه المكتسبات تتطلب المزيد من توحيد المؤسسات والقوات، وتعزيز العلاقة الدستورية مع بغداد، والحفاظ في الوقت نفسه على شراكة استراتيجية متوازنة مع واشنطن والمجتمع الدولي.
الخلاصة أن الانسحاب الأمريكي قد لا يكون نهاية الدور الأمريكي، بل بداية مرحلة جديدة منه. والسؤال الذي ينبغي أن يشغل الكورد ليس فقط: هل ستبقى أمريكا معنا؟ بل: ماذا أعددنا نحن إذا قررت أمريكا يوماً أن تغير حساباتها؟
فالتحالفات مهمة، لكن الوحدة السياسية، وقوة المؤسسات، وتوحيد البيشمركة، والقدرة على حماية المصالح الوطنية، تبقى الضمانة الأهم في عالم تتغير فيه التحالفات والمصالح بسرعة.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى