مقالات

حين تعود العشيرة إلى واجهة السياسة: هل يدفع الشعب الكوردي إلى التراجع من السياسة إلى العصبية؟

د. عدنان بوزان

ثمة ظاهرة سياسية واجتماعية خطيرة تستحق التوقف عندها بجدية، لا لأنها جديدة في التاريخ الاجتماعي للكورد، بل لأنها تظهر في أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الشعب الكوردي في سوريا: أن يبدأ بعض الأشخاص بإعادة تقديم أنفسهم في المجال العام لا بوصفهم مواطنين أو سياسيين أو مثقفين أو ممثلين لقضية وطنية، وإنما بوصفهم أبناء عشيرة بعينها، وأن تتحول اللقاءات العامة من فضاء السياسة والمؤسسات والأحزاب والنخب إلى مجالس تحمل عناوين من قبيل «وجهاء العشيرة الفلانية» و«أبناء العشيرة الفلانية». هنا لا يعود السؤال متعلقاً بالعشيرة بوصفها بنية اجتماعية لها مكانتها التاريخية، وإنما يصبح السؤال أكثر خطورة: ماذا يعني أن تستعيد العشيرة موقعها بوصفها عنواناً سياسياً في اللحظة التي يفترض أن ينتقل فيها الشعب الكوردي من مرحلة الدفاع عن وجوده إلى مرحلة تثبيت حقوقه السياسية والدستورية؟

المشكلة ليست في أن يكون للكوردي عشيرة أو عائلة أو انتماء اجتماعي؛ فهذه مكونات تاريخية لا يمكن إنكارها، ولا أحد يطالب بإلغاء الذاكرة الاجتماعية للشعب الكوردي. المشكلة تبدأ عندما تتحول العشيرة من رابطة اجتماعية إلى بديل عن الانتماء السياسي، ومن إطار أهلي إلى أداة للتمثيل العام، ومن هوية فرعية إلى مرجعية تتقدم على فكرة الشعب والمواطنة والمؤسسة والحزب والبرنامج والحقوق الدستورية. عندها لا نكون أمام عودة بريئة إلى التراث الاجتماعي، بل أمام احتمال أخطر: إعادة إنتاج السياسة بمنطق ما قبل السياسة، وتحويل شعب له قضية سياسية إلى جماعات اجتماعية متنافسة على النفوذ.

وهنا تحديداً يجب أن نتوقف.

فالكورد في سوريا لا يخوضون اليوم معركة إثبات أنهم مجموعة اجتماعية لها عادات وتقاليد وعشائر وقرى، فهذا أمر لا يحتاج إلى إثبات. المعركة الحقيقية هي إثبات أن الكورد شعب له وجود سياسي وحقوق قومية وثقافية ودستورية، وأن هذه الحقوق يجب أن تجد مكانها في الدولة السورية الجديدة وفي دستورها ومؤسساتها. وفي هذا السياق، فإن إغراق المجال العام بخطاب العشائر والوجهاء والمناطق يمكن أن يؤدي، عن قصد أو من دون قصد، إلى نقل القضية من مستوى السياسة إلى مستوى الاجتماع، ومن مستوى الحقوق إلى مستوى العلاقات المحلية، ومن مستوى الشعب إلى مستوى الجماعات.

وهذه ليست مسألة لغوية.

حين نقول «الشعب الكوردي» فنحن نتحدث عن كيان سياسي واجتماعي له هوية وحقوق ومطالب وتمثيل. أما حين يجري تقديم الكورد بوصفهم مجموعة عشائر ووجهاء ومناطق، فإننا نكون قد بدأنا، من حيث ندري أو لا ندري، بتفكيك المعنى السياسي لهذا الشعب. وهذه بالضبط هي النقطة التي يجب ألا تمر مروراً عابراً.

لقد عانى الكورد في سوريا طوال عقود من سياسة هدفت إلى نزع البعد السياسي عن وجودهم، وتحويل قضيتهم إلى «مسألة» أمنية أو اجتماعية أو محلية، بدلاً من الاعتراف بها بوصفها قضية شعب له حقوق. وفي ظل النظام البعثي البائد، كان العمل السياسي الكوردي عرضة للملاحقة والقمع والاعتقال، فيما استخدمت مختلف البنى الاجتماعية والمحلية في إدارة الشعب وإضعاف قدرته على إنتاج تمثيل سياسي مستقل. وتؤكد الأدبيات التاريخية حول العشائر الكوردية أن السلطات المتعاقبة في المنطقة، ومنها السلطات السورية والتركية والعراقية والإيرانية، أولت البنية العشائرية اهتماماً خاصاً واستخدمتها بدرجات مختلفة في إدارة السياسة والمجتمع.

ولهذا فإن عودة العشيرة إلى واجهة المجال السياسي الكوردي في هذه اللحظة ليست أمراً ينبغي التعامل معه بسذاجة.

والأكثر إيلاماً أن بعض الوجوه التي تتقدم اليوم باسم العشيرة لم تأتِ من فراغ سياسي. هناك شخصيات وبيئات اجتماعية وسياسية ارتبطت، في مراحل سابقة، بعلاقات مع منظومة النظام البعثي وأجهزته الأمنية، أو استفادت من تلك المنظومة، أو تحركت داخل المساحات التي كان النظام يتيحها لبعض الشخصيات المحلية. واليوم، بعد سقوط ذلك النظام وتبدل موازين القوى، يحق لنا أن نسأل: هل تغيرت القناعة السياسية فعلاً، أم تغيرت فقط الجهة التي تخدم؟

هذا السؤال لا يعني توجيه اتهام باطل إلى كل شيخ أو وجيه أو شخصية اجتماعية بالعمالة، ولا يعني أن كل من يتحدث باسم عشيرته مرتبط بالأجهزة الأمنية السابقة. لكن هناك حقائق ومعطيات لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها، ولا يمكن أيضاً تجاهل الماضي السياسي والأمني لبعض الشخصيات التي تظهر اليوم في المشهد من جديد. ومن هنا يبقى السؤال السياسي مشروعاً، بل ضرورياً، عندما نرى بعض الأشخاص الذين كانوا جزءاً من بيئة سياسية وأمنية قديمة يعيدون إنتاج أنفسهم في المشهد الجديد، ولكن بعناوين وأدوات مختلفة، وبأدوار قد تؤدي في نهاية المطاف إلى النتائج السياسية نفسها: إضعاف التمثيل السياسي الكوردي وتفكيك وحدته وتحويله من قضية شعب إلى مجرد مجموعات اجتماعية متفرقة.

فإذا كان بعض هؤلاء قد خدموا، في عهد البعث، وظيفة تفتيت الشعب وإضعاف السياسة الكوردية أو مراقبة المجال الاجتماعي، فإن انتقال بعضهم اليوم إلى خطاب عشائري يخدم، عملياً، النتيجة نفسها وإن تغيرت الراية والسلطة: إضعاف التمثيل السياسي الكوردي وتحويل الشعب إلى جماعات محلية متفرقة.

وهنا لا تكمن المسألة في الأشخاص وحدهم، بل في الوظيفة السياسية التي يؤديها هذا الخطاب. فالاستبداد لا يحتاج دائماً إلى أن يقول للناس: لا تتحدوا. أحياناً يكفي أن يجعل كل جماعة تتحدث باسم نفسها، وكل منطقة تبحث عن شيخها، وكل عشيرة تبحث عن ممثلها، وكل شخصية تبحث عن موقعها، حتى يصبح الحديث عن موقف سياسي كوردي جامع أمراً صعباً. وعندما يتحول المجتمع إلى مجموعة من الوسطاء المحليين، تستطيع السلطة أن تتعامل معهم فرادى، بينما يفقد الشعب قدرته على الظهور كطرف سياسي واحد.

وهذا ما يجعل تجربة الماضي شديدة الأهمية.

هل تغيرت أدوات إدارة المجتمع، بينما بقيت الوظيفة السياسية ذاتها؟

في عهد النظام البعثي البائد، كان الأمن والسيطرة المباشرة والاختراق والملاحقة إحدى أدوات إدارة المجتمع. أما في المرحلة الجديدة، فقد تكون الأدوات أكثر نعومة وأقل مباشرة: استدعاء الهويات المحلية، إبراز الوجهاء، إعادة تنشيط العصبيات، منح بعض الشخصيات أدواراً اجتماعية وسياسية، وربط النفوذ المحلي بمراكز السلطة. وإذا كانت هذه الظاهرة تستخدم فعلاً بهذه الطريقة، فإنها لا تحتاج إلى أجهزة أمنية بالمعنى القديم حتى تحقق نتيجة سياسية مشابهة.

وهنا يصبح الأمر أكثر خطورة لأن بعض الناس قد لا يدركون أنهم يتحولون إلى أدوات في عملية أكبر منهم.

إن السلطة الحالية في دمشق تعيد بناء الدولة على أساس مركزي، في الوقت الذي ما تزال فيه مسألة الحقوق الكوردية وشكل العلاقة بين المركز والمناطق الكوردية موضع تفاوض وصراع سياسي. وفي أغسطس/آب 2026 أُعلن اكتمال دمج القوات الكوردية في مؤسسات الدولة السورية، فيما ظل تثبيت الحقوق الكوردية دستورياً أحد المطالب المركزية للقيادة الكوردية.

وفي مثل هذه اللحظة، يصبح السؤال عن شكل التمثيل الكوردي مسألة استراتيجية، لا مجرد خلاف داخلي. إذا جرى تقديم الكورد أمام دمشق والعالم بوصفهم مجموعة من العشائر والوجهاء والمناطق، فإن الطرف الآخر يستطيع أن يسأل: من يمثل الكورد؟ ومن يتحدث باسمهم؟ وأين هو الموقف السياسي الموحد؟ وما هو الأساس الذي يمكن بناء الحقوق الدستورية عليه؟

أما إذا ظهر الكورد بوصفهم شعباً يمتلك أحزاباً ومؤسسات ومثقفين ونقابات ومنظمات وممثلاً سياسياً واضحاً وبرنامجاً وطنياً، فإن النقاش يصبح نقاشاً سياسياً ودستورياً حقيقياً.

وهنا بالضبط تكمن خطورة العشائرية السياسية. إنها لا تلغي القضية الكوردية مباشرة؛ بل قد تفعل شيئاً أكثر ذكاءً وخطورة: تفرغها من مضمونها السياسي.

وهذا هو الفرق بين أن يقال: «هناك حقوق سياسية للشعب الكوردي»، وأن يقال: «هناك عشيرة تريد كذا، وعشيرة تريد كذا، ووجهاء هذه المنطقة يطالبون بكذا، ووجهاء تلك المنطقة يعترضون على كذا».

الأولى قضية سياسية.

والثانية إدارة اجتماعية لمجموعة من الجماعات.

ومن هنا يصبح السؤال عن الدور التركي مشروعاً أيضاً، لكن يجب صياغته بعقل سياسي لا بعقل المؤامرة. فتركيا لاعب مباشر ومؤثر في الملف السوري والكوردي، وقد دعمت قوى سورية مسلحة، كما أنها تعاملت مع القضية الكوردية في سوريا باعتبارها قضية أمن قومي مرتبطة بالصراع مع حزب العمال الكردستاني وبمستقبل الحدود السورية التركية. كما تشير دراسات حديثة إلى أن أنقرة كانت تسعى إلى التأثير في التوازنات السياسية الكوردية السورية وعلاقاتها مع الأطراف الكوردية المختلفة.

لكن القول إن كل شخصية عشائرية تعمل لمصلحة تركيا يحتاج إلى أدلة فردية واضحة، ولا ينبغي أن يتحول إلى اتهام جماعي.

الأدق سياسياً أن نقول إن أي مسار يؤدي إلى إضعاف وحدة الموقف السياسي الكوردي، وتحويل القضية إلى مجموعة من الولاءات المحلية والعشائرية، يمكن أن يخدم موضوعياً مصالح القوى التي لا تريد رؤية تمثيل كوردي سياسي قوي وموحد، سواء كان ذلك مقصوداً من الفاعلين أم نتيجة غير مقصودة لتحركاتهم.

وهذا هو الفارق بين التحليل السياسي الرصين والخطاب الانفعالي.

فتركيا ليست بحاجة بالضرورة إلى أن تصدر أمراً مباشراً لكل شيخ أو وجيه كي يتحرك؛ يكفي أن تنتج البيئة السياسية التي يصبح فيها تفتت الموقف الكوردي مفيداً لمصالحها. ولذلك يجب أن يقاس الأمر بالنتائج السياسية لا بالشعارات.

والسؤال الأكثر إحراجاً هنا: من المستفيد عندما يتحول الكورد من قوة سياسية إلى مجموعة من الوسطاء الاجتماعيين؟

من المستفيد عندما تصبح العشيرة أكثر حضوراً من الحزب؟ من المستفيد عندما يصبح الوجيه أكثر حضوراً من المثقف؟ من المستفيد عندما تصبح العلاقات الشخصية أقوى من المؤسسة؟ من المستفيد عندما يتحدث كل طرف باسم جماعته، ولا يعود أحد يتحدث باسم مشروع سياسي كوردي جامع؟

هذه الأسئلة لا تحتاج إلى إجابات متسرعة، لكنها تحتاج إلى أن تطرح بصوت مرتفع.

والأكثر إيلاماً أن يحدث ذلك في الوقت الذي يحتاج فيه الكورد إلى أقصى درجات التنظيم السياسي. فالمشهد السوري الحالي لا يمنح الكورد رفاهية الانقسام. فالبرلمان الانتقالي لم يمنح التمثيل الكوردي الوزن الذي يراه عدد من القادة والأحزاب الكوردية مناسباً، كما أن تثبيت الحقوق الكوردية في الدستور الدائم ما يزال قضية مفتوحة، فيما تستمر المفاوضات حول التعليم واللغة والتمثيل المحلي.

في مثل هذه اللحظة، أين الأحزاب الكوردية؟

وأين المثقفون؟ وأين الأكاديميون؟ وأين الحقوقيون؟ وأين الذين أمضوا سنوات في السجون؟ وأين الذين عاشوا المنفى؟ وأين الذين دفعوا أثماناً شخصية هائلة لأنهم رفضوا أن يتحولوا إلى مجرد أفراد بلا قضية؟

هل كان كل ذلك من أجل أن نصل في النهاية إلى مرحلة يعاد فيها تعريف الكوردي وفقاً لعشيرته؟ هل قضى المناضل الكوردي سنوات في المعتقل لكي يصبح الوجيه العشائري هو المرجعية السياسية الجديدة؟ وهل دفع المثقف الكوردي ثمن كلمته لكي تستبدل الكلمة السياسية بمجلس عشائري؟ وهل خرج المنفي من وطنه لكي يعود بعد عقود فيجد أن السياسة التي ضحى من أجلها قد تراجعت، وأن العصبية الاجتماعية تقدمت إلى الصف الأول؟

هذه ليست أسئلة بلاغية. إنها أسئلة تخص معنى كل تلك التضحيات.

لقد اعتقل كورد، وتشرد كورد، ومات كورد، وخسر آخرون وظائفهم وأعمارهم وحياتهم الاجتماعية لأنهم طالبوا بالاعتراف بوجودهم وحقوقهم. ولم تكن القضية التي دفعوا ثمنها قضية عشيرة أو عائلة، بل قضية شعب.

ولهذا فإن تحويل الذاكرة السياسية الكوردية إلى ذاكرة عشائرية يمثل، في جوهره، انتكاسة في معنى النضال نفسه. ولا يعني هذا إلغاء العشيرة من الشعب. على العكس، يمكن للعشيرة أن تؤدي دوراً اجتماعياً مهماً، ويمكن للشيوخ والوجهاء أن يساهموا في المصالحات وحل النزاعات وحماية السلم الأهلي. لكن هناك خطاً فاصلاً لا يجوز تجاوزه: العشيرة يمكن أن تكون جزءاً من المجتمع، لكنها لا ينبغي أن تصبح بديلاً عن المجتمع السياسي.

والوجيه يمكن أن يكون شخصية اجتماعية محترمة، لكنه لا يصبح تلقائياً ممثلاً سياسياً للشعب. والنسب لا يمنح صاحبه تفويضاً دستورياً. والعدد لا يصنع الحق السياسي. والاجتماع العشائري لا ينتج شرعية سياسية.

الشرعية السياسية تنتجها الإرادة العامة، والمؤسسات، والانتخابات، والبرامج، والتمثيل، والقانون.

ومن هنا فإن المسؤولية لا تقع على العشائر وحدها. إن الأحزاب الكوردية تتحمل مسؤولية تاريخية عن هذا الفراغ. فإذا كان الوجيه يستطيع أن يحتل مساحة سياسية واسعة، فذلك يعني أن الحزب فشل في احتلال المساحة التي يفترض أن يحتلها. وإذا كان الناس يبحثون عن الشيخ، فهذا يعني أن المؤسسات السياسية لم تمنحهم ما يكفي من الثقة. وإذا كان الخطاب العشائري يجد آذاناً صاغية، فهذا يعني أن الخطاب السياسي الكوردي فقد شيئاً من قدرته على الإقناع والتعبئة وبناء الأمل.

المشكلة إذن ليست أن العشيرة موجودة. المشكلة أن السياسة غائبة. وحين تغيب السياسة، لا يبقى الفراغ فارغاً. يملؤه المال. أو السلاح. أو النفوذ. أو الحزب. أو العشيرة. أو الشخصية المحلية. أو الدولة الخارجية.

وهنا نصل إلى النقطة الأكثر خطورة: إذا كان بعض من كانوا، في عهد النظام البعثي البائد، يتحركون في فضاء يخدم الأجهزة الأمنية أو ينسجم مع وظائفها الاجتماعية والسياسية، يعيدون اليوم إنتاج حضورهم تحت عناوين جديدة تتلاءم مع السلطة الجديدة، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: من هؤلاء؟

بل ينبغي أن يكون:

ما الوظيفة التي يؤدونها اليوم؟

لأن التاريخ لا يتكرر دائماً بالأسماء نفسها، وإنما قد يتكرر بالوظائف نفسها. قد تتغير السلطة، وتتغير الشعارات، وتتغير التحالفات، ويتغير اللباس السياسي، لكن إذا بقيت النتيجة هي إضعاف السياسة الكوردية وتفكيك تمثيل الشعب الكوردي إلى جماعات محلية، فإن علينا أن نتوقف ونسأل: من المستفيد من هذه النتيجة؟

وهنا يجب أن تكون الأحزاب والمثقفون أكثر يقظة من أي وقت مضى. ليس المطلوب مطاردة الأشخاص أو توزيع تهم العمالة والخيانة على الناس. المطلوب هو تفكيك الظاهرة سياسياً: من أين يأتي المال؟ من يفتح الأبواب؟ من يدعو إلى الاجتماعات؟ من يمنح الشرعية؟ من يتواصل مع السلطة؟ ما المطالب المطروحة؟ هل هي مطالب سياسية كوردية أم مطالب محلية؟ هل يتحدث هؤلاء باسم الشعب أم باسم العشيرة؟ هل يريدون تثبيت الحقوق أم إعادة تعريف القضية بوصفها شأناً اجتماعياً؟ وما الجهات التي تستفيد من هذه العملية؟

عندها فقط يمكن الانتقال من الشك إلى التحليل. فالسياسة لا تبنى على التخوين، وإنما على كشف المصالح وشبكات النفوذ والنتائج. وإذا كان هناك بالفعل مشروع يسعى إلى دفع الكورد نحو الانكفاء من السياسة إلى العشائرية، فإن أفضل مقاومة لهذا المشروع ليست الصراخ، بل إعادة بناء السياسة الكوردية نفسها.

نحتاج إلى أحزاب تتجاوز الشخصنة. نحتاج إلى مؤسسات لا إلى زعامات. نحتاج إلى برنامج سياسي واضح. نحتاج إلى خطاب دستوري يعرف ماذا يريد. نحتاج إلى نخبة ثقافية لا تخاف من الدخول في المجال العام. نحتاج إلى جيل جديد لا يرى مستقبله في الشيخ ولا في الحزب وحده، بل في المواطنة والمؤسسة والقانون. ونحتاج قبل كل شيء إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الشعب الكوردي بوصفه حقيقة سياسية واجتماعية لا يجوز اختزالها في العشيرة أو المنطقة أو الحزب.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم ليس أن يختلف الكورد فيما بينهم؛ فالاختلاف طبيعي، بل ضروري في السياسة. الخطر هو أن يتحول الاختلاف السياسي إلى تفكيك للهوية السياسية نفسها.

أن يتحول الحزب إلى عشيرة سياسية. وأن تتحول العشيرة إلى حزب. وأن يتحول الوجيه إلى زعيم. وأن يتحول الزعيم إلى ممثل وحيد. وعندها يصبح الكوردي مرة أخرى مجرد فرد يبحث عن حماية جماعته، بدلاً من أن يكون مواطناً ينتمي إلى شعب ويطالب بحقوقه في دولة دستورية.

وهذا هو التراجع الحقيقي.

فإذا كان النظام البعثي البائد قد حاول لعقود أن يجعل الكوردي أقل من مواطن، فلا يجوز أن نسمح اليوم بأن يصبح الكوردي أقل من سياسي. وإذا كانت الدكتاتورية قد حاولت تحويل القضية الكوردية إلى ملف أمني، فلا يجوز أن نسمح بتحويلها اليوم إلى ملف عشائري. وإذا كان الآخرون قد حاولوا تفكيك الكورد، فلا يجوز أن نساعدهم، بوعي أو من دون وعي، على إكمال المهمة من الداخل.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يواجه الجميع، الأحزاب والمثقفين والعشائر والوجهاء والنخب، هو:

هل نريد للكوردي أن يدخل سوريا الجديدة بوصفه مواطناً وسياسياً وصاحب حقوق دستورية، أم نريده أن يدخلها بوصفه فرداً في عشيرة ينتظر من شيخها أن يتحدث باسمه؟

المسافة بين الخيارين ليست اجتماعية فحسب. إنها المسافة بين الشعب والجماعة، وبين السياسة والعصبية، وبين المواطنة والتبعية، وبين المؤسسة والوجيه، وبين مشروع المستقبل وإعادة إنتاج الماضي. ولذلك فإن الخطر الحقيقي ليس أن تجتمع عشيرة. الخطر أن تصمت السياسة حين تجتمع العشيرة. والخطر الأكبر أن يتحول هذا الصمت إلى اعتياد، ثم إلى ثقافة، ثم إلى نظام تمثيل جديد.

عندها قد يستيقظ الكوردي ذات يوم ليكتشف أن القضية التي دفع من أجلها الآباء أعمارهم في السجون والمنافي لم تعد تناقش بوصفها قضية شعب وحقوق، وإنما بوصفها خلافاً بين وجهاء وجماعات وعشائر. وعندها لن يكون السؤال: من الذي أسقط السياسة الكوردية؟ بل سيكون السؤال الأكثر مرارة:

كيف سمحنا نحن للسياسة الكوردية أن تستبدل بالعشيرة؟

وهنا تبدأ مسؤولية الجيل الحالي؛ لأن مواجهة هذا الخطر لا تكون بإهانة العشيرة ولا بإلغاء الوجهاء، وإنما بإعادتهم إلى مكانهم الطبيعي، وإعادة السياسة إلى مكانها الطبيعي. العشيرة جزء من الشعب، وليست بديلاً عن الشعب. والوجيه جزء من المجتمع، وليس بديلاً عن المؤسسة. والحزب أداة للسياسة، وليس مالكاً للقضية. والقضية أكبر من الجميع.

وإذا كان هناك من يريد للكورد أن يتحولوا من شعب سياسي إلى مجتمع قبلي، فإن الرد التاريخي عليه يجب أن يكون واضحاً:

لن تحمى حقوق الشعب الكوردي بالعصبية، وإنما بالسياسة؛ ولن تثبت هويته بالأنساب، وإنما بالدستور؛ ولن يصنع مستقبله بالوجهاء، وإنما بالمؤسسات؛ ولن يحفظ وجوده بتفريقه إلى عشائر، وإنما بتحويل تعدده الاجتماعي إلى قوة داخل مشروع سياسي كوردي جامع.

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)
5 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى