عاكف حسن
هناك أشخاص تنتهي حياتهم، لكن قصتهم لا تنتهي. وحين يرحلون، لا نشعر فقط بفقدان إنسان، بل نشعر أن صفحة كاملة من تاريخنا قد أُغلقت بصمت.
كان حسين يلديريم واحداً من هؤلاء.
رحل في 24 أيلول/سبتمبر 2026، بعد حياة حملت من المآسي والصراعات ما يكفي لعدة حيوات.
كان طفلاً صغيراً حين عاش مأساة درسيم. رأى بعيني الطفل ما لا ينبغي لطفل أن يراه، وعاش مبكراً ذلك النوع من الألم الذي لا يترك الإنسان كما كان.
كبر الطفل، لكنه لم ينسَ.
اختار القانون، وأصبح محامياً. وعندما جاءت سنوات الانقلاب العسكري وما رافقها من قمع وسجون وتعذيب، وجد نفسه في مقدمة المدافعين عن المعتقلين.
دافع عن عشرات السجناء في سجن دياربكر، وكان من بينهم مظلوم دوغان وخيري دورموش وغيرهما.
ثم حدث ما لم يكن من السهل تصوره:
المحامي الذي كان يدخل السجن للدفاع عن المعتقلين، أصبح هو نفسه معتقلاً.
دخل سجن دياربكر عام 1981، وعاش هناك ما عاشه الآخرون من التعذيب والإهانة والقسوة. خرج في تموز/يوليو 1982، تحت ضغط منظمة العفو الدولية، لكنه لم يخرج من السجن كما دخله.
خرج حاملاً ذاكرة السجن، وقرر أن يجعل العالم يسمع ما جرى خلف تلك الجدران.
غادر الوطن، وبدأ نشاطه في أوروبا، ثم انخرط في العمل السياسي والدبلوماسي للحركة الكردية.
وهنا أستطيع أن أقول ذلك لا كقارئ للتاريخ، بل كشخص كان موجوداً في تلك المرحلة.
كنت يومها في صفوف حزب العمال الكردستاني في أوروبا، وكنت إلى جانب حسين يلديريم في السلك الدبلوماسي.
رأيته عن قرب.
عرفت الرجل الذي كان يحمل تاريخاً ثقيلاً، لكنه لم يفقد قدرته على الكلام، ولا رغبته في أن يقول ما يعتقد أنه الحقيقة.
ثم جاءت لحظة محمد علي براند.
في عام 1988، طلب الصحفي التركي المعروف محمد علي براند من حسين يلديريم أن يرتب له لقاءً مع عبدالله أوجلان في وادي البقاع في لبنان. وكان حسين هو الذي تولى ترتيب اللقاء.
وخلال المقابلة، طرح براند على أوجلان سؤالاً مباشراً:
«هل تريدون استقلال كردستان؟»
فكان جواب أوجلان، كما بقي في ذاكرة حسين:
«بالتأكيد لا نسعى إلى ذلك، بل كل همنا أن نحصل على شيء ما ضمن إطار الدولة.»
كانت تلك الكلمات صادمة بالنسبة إلى حسين.
أراد أن يعارض أوجلان في المكان نفسه، وأن يقول له مباشرة ما يفكر فيه. لكنه تراجع، وقرر أن يعود إلى أوروبا ويتحدث هناك.
التقى بشخصيات قيادية وشرح لهم ما حدث، وكان يرى أن القضية التي ضحى من أجلها كثيرون بدأت تُختزل في شخص القائد.
وكانت كلماته واضحة وقاسية:
«أوجلان يخون القضية. لا يهمه الاستقلال ولا طموحات هذا الشعب، بل ما يهمه هو شخصه، لا أكثر ولا أقل.»
تحركت المياه.
اقتنع عدد من الشخصيات القيادية بروايته، وبدأت تتشكل معارضة لأوجلان.
لكن أوجلان علم بهذه التحركات وتدخل.
وفي فترة قصيرة، انقلب كثيرون على حسين.
الرجل الذي كان بالأمس رفيقاً أصبح مشبوهاً، والذي كان يتحدث باسم الحركة أصبح خارجاً عليها.
وفي النهاية لم يجد أمامه إلا مغادرة المنظومة.
هرب حسين إلى جنوب فرنسا، حيث وجد لنفسه مكاناً لدى منظمة «لونغو ماي» المناهضة للرأسمالية، والتي كانت تمتلك مزارع أشبه بالمعسكرات، وكانت بعض هذه المواقع تُستخدم أيضاً من قبل الحركة لأغراض سياسية وتدريبية.
حتى هناك لم يتركوه وشأنه.
حاول مسؤول حزب العمال الكردستاني في أوروبا، بحجة أنه يقف إلى جانب حسين في خلافه مع أوجلان، أن يخرجه من المعسكر إلى مكان آخر بحجة الحديث معه والتحقيق في الأمر.
لكن حسين شعر بالمؤامرة وقال له:
«كم عيب أن تأتي لتناقشني موضوع خيانة أوجلان للقضية، بينما تحيك في الوقت نفسه لخطفـي.»
عاد المسؤول بخفي حنين.
ثم جاءت الرصاصات.
في مقهى في بلدة صغيرة في هولندا، بالقرب من الحدود البلجيكية، كان حسين مع أحد أصدقائه عندما ظهر شخصان ملثمان وأطلقا عليهما 29 طلقة.
أصيب حسين في قدمه، وأصيب صديقه في فكه.
لم تنجح عملية التصفية.
نجا حسين.
بعد ذلك استطاع أن يستقر في السويد، وعاش هناك سنوات طويلة.
لكنني لم أكن أعرف أنني سأعود إلى تلك القصة بعد سنوات بطريقة مختلفة.
آخر لقاء
في عام 2010، ذهبت إلى بيته في ستوكهولم وأجريت معه لقاءً طويلاً.
لم يكن لقاءً عادياً.
جلست أمام الرجل الذي عرف السجن من داخله، وطلبت منه أن يأخذني معه، بالتفصيل، في تلك الرحلة التي عاشها: في أزقة جحيم سجن دياربكر، وفي جحيم المحاكم، وفي السنوات التي عاشها بين السجن والمنفى والعمل السياسي والصراع.
كان يتحدث، وأنا أصغي.
كلما فتح باباً من ذاكرته، شعرت كأنني أدخل معه إلى مكان لم أكن أريد أن أراه، لكنه كان يريد أن يجعلني أراه.
ثم، في لحظة ما، غنّى لدرسيم.
غنّى بلهجته الديمبلية، لغة الزازا التي حملها معه من موطنه الأول.
لم أتمالك نفسي.
أدمعت عيناي يومها.
لم تكن دموعاً على أغنية فقط.
كانت دموعاً على طفل درسيم الذي بقي حياً داخل ذلك الرجل.
كان يغني، وأنا أرى أمامي درسيم التي لم تغادره قط.
في تلك اللحظة لم يعد حسين بالنسبة إليّ محامياً أو دبلوماسياً أو معارضاً سياسياً.
كان مجرد إنسان يحمل وطناً كاملاً في صوته.
وربما لهذا بقي ذلك المشهد عالقاً في ذاكرتي حتى اليوم.
الرحيل
ثم جاء يوم 24 أيلول/سبتمبر 2026.
ورحل حسين.
وحين أتذكره اليوم، لا أراه فقط محامياً لسجناء دياربكر، ولا معارضاً لأوجلان، ولا دبلوماسياً عمل من أجل قضية آمن بها. أراه قبل كل شيء إنساناً حمل في حياته مآسي وطنه، وعاش ثمن مواقفه حتى النهاية.
كان صوتاً مختلفاً عندما كانت الأصوات متشابهة، واختار أن يتكلم حين كان الصمت أكثر أماناً.
وأنا، الذي كنت إلى جانبه في أوروبا في تلك السنوات، أعرف أن هذه الكلمة كانت لها أثمانها.
لكن أكثر ما سيبقى في ذاكرتي عنه ليس السجن ولا الرصاص ولا الخلافات السياسية.
سيبقى ذلك المساء في بيته في ستوكهولم عام 2010.
كان يحدثني عن أزقة جحيم دياربكر وجحيم المحاكم، ثم غنّى لدرسيم بلهجته الديمبلية.
أدمعت عيناي يومها ولم أتمالك نفسي.
في صوته، للحظات، لم يكن هناك محامٍ ولا سياسي ولا معارض.
كان هناك طفل درسيم، يحمل وطناً كاملاً في حنجرته.
ذلك الصوت سيبقى في ذاكرتي.
وسيذكرني دائماً بأن بعض الأوطان لا يسكنها الإنسان فقط…
بل تسكنه هي.
نم قرير العين يا حسين.
نم قرير العين يا محامي الإنسانية.
لقد تركت وراءك حكاية ثقيلة، لكنها حكاية تستحق أن تُروى.
وداعاً يا الرجل الذي اختار أن يبقى صوته مختلفاً، حين كان الجميع تقريباً يتحدثون بصوت واحد.



