محمد سليم برهك
في المجتمعات التي رزخت لعقود تحت حكم الأنظمة الشمولية القمعية، لم يكن الاستبداد مجرد أداة سياسية، بل كان منظومة اجتماعية متكاملة، قامت أجهزتها الأمنية والمخابراتية على تفكيك النسيج المحلي وإعادة ترتيبه بناءً على الولاء والنفعية.
وفي محافظة الحسكة (منطقة الجزيرة – روج آفا)، تجلت هذه السياسة بأوضح صورها، حيث قُسّم المجتمع بـ”مفهوم المفرزة” إلى فئات: قوى تُتّهم بالانفصالية والعمالة لشرعنة قمعها، ونخب عشائرية واجتماعية تُصنع على عين المخابرات، ويُغدق عليها النفوذ والمال لضمان التبعية، وشبكة أخطبوطية من “كتّاب التقارير” ولحّاسي الأبواط الذين اقتاتوا على كتابة التقارير الكيدية لضرب جيرانهم وأبناء عمومتهم والتسلق على أكتافهم.
ومع اندلاع الثورة عام 2011، واجهت بعض المناطق الحدودية والعشائرية تحديات مركبة، فالخوف الموروث والقبضة الأمنية الشديدة، إلى جانب المصالح المرتبطة بالدولة، جعلت المشاركة الشعبية العامة في مناطق مثل جل آغا (الجوادية) تبدو ضعيفة أو حذرة في بداياتها.
لكن هذه القراءة العامة تظلم حقيقة تاريخية جوهرية، وهي أن غياب الحراك المليوني لم يكن دليلاً على الرضا بالاستبداد، بل كان نتيجة للقبضة المرعبة التي واجهتها مجموعات شبابية وعائلات شجاعة قررت كسر حاجز الصمت والتقدم إلى الصفوف الأولى.
إن التاريخ الحقيقي لريف الجوادية وتل كوجر كُتب بأيدي أفراد وعائلات وقوى نوعية لم تحسب حساباً للربح والخسارة؛ من الحراك الكوردي الوطني الأصيل الذي مثلته عائلات مثل آل برهك، الذين دفعوا أثماناً باهظة من التضييق والملاحقة الأمنية بسبب مواقفهم القومية والسياسية الصلبة، إلى جانب كثير من الشرفاء الذين أعتذر عن عدم ذكر أسمائهم لكثرتهم.
وكذلك المبادرات الشبابية العربية الشجاعة؛ شبابٌ من قبيلة شمر انتفضوا في مناطق تل كوجر للتخلص من التهميش، ومجموعات شابة تنتمي إلى عشائر الزبيد وقرية الظاهرية، شهداء الثورة، وعائلات مستقلة ومكافحة واجهت الملاحقة والاعتقال المبكر، مثل بيت علي الحايك في الجوادية، والذين دفع أبناؤهم أثماناً باهظة في أقبية الفروع الأمنية.
هؤلاء جميعاً، وغيرهم من العائلات والشباب، كانوا يمثلون الضمير الحي للمنطقة، وخرجوا بدافع وطني نقي عابر للحسابات الضيقة.
المفارقة الكبرى والتحدي الجديد اليوم يتجليان في مرحلة ما بعد انحسار النظام البعثي عن تلك المناطق. فمع صعود سلطات وقوى جديدة، لم تختفِ فئة “الانتهازيين والمتسلقين”، بل أعادت إنتاج نفسها بثياب جديدة.
إن “مخبري الأمس” ولحّاسي أبواط المفرزة القديمة سارعوا إلى حجز مقاعدهم في الصفوف الأولى للمطبلين والمزمرين للقوى الجديدة، محاولين ارتداء قناع الثورية والوطنية لحماية أنفسهم وتغطية تاريخهم الأسود.
ولكي يثبت هؤلاء المتسلقون أوراق اعتمادهم ويبرهنوا على “ثوريتهم الزائفة”، تبنوا خطاب كراهية متقلباً يعتمد على المزاودة والتحريض؛ فتارة يهاجمون الكورد لتأجيج العواطف القومية، وتارة يهاجمون العلويين لادعاء مظلومية طائفية، وتارة يلتفتون لمهاجمة المكون العربي نفسه واتهامه بالتقاعس، متجاهلين أنهم كانوا جزءاً من الآلة التي كبّلت هذا المجتمع لعقود.
إن مواجهة هذه الظاهرة الانتهازية تبدأ من توثيق التاريخ: العملاء والشرفاء.



