“أمس مساءً ذهبنا إلى المقهى الذي حدثني عنه جمشيد. كان هادئاً قليل الرواد يطل على سهل فسيح يمتد جنوباً. بعد أن شربنا الشاي وتحدثنا في الأدب والسياسة ساعة من الزمن نهضنا. قال جمشيد:
– تعال أريك منظراً بديعا لن تراه في جزيرتك.
– لا تزدري جزيرتي يا رفيق. صحيح أنها في وهدة من الأرض لكنها بشموخ الجبال الشماء. العبرة ليست بالسمو عن سطح البحر.
– صحيح. أوافقك الرأي. ودليل كلامك أمامنا، هناك في الأسفل. أنظر.
كانت أضواء بعيدة تلمع خِلْتُها نجوماً تستريح على الأرض.
– هذه عامودا يا آمد. هناك، قبل عامين، ارتكب الرفاق مجزرة بحق أهلها المسالمين أثناء مظاهرة لشبابها. قتل الرفاقُ المسلحون ستة من أهل عامودا. هل رأيت التناقض والتخبط الذي يعيشه الحزب؟ من يناضل لأجل الحرية هنا، لا يقتل الأحرار هناك.
– أوافقك. سمعت بالمجزرة. لم يقم أحد بإدانتها.
– بعكس مجزرة روبوسكي التي جرت قبل مجزرة عامودا بسنة ونصف.
– أقاموا الدنيا بسبب تلك المجزرة.
– ليس لأنهم حريصون على دم الإنسان. لا. أبداً. لقد استغلوا مجزرة روبوسكي سياسياً إلى أقصى حد. روبوسكي ارتكبتها قوات الدولة وهي لهذا السبب فقط تستحق الإدانة بنظرهم وليس لأن دماً بريئاً أريق على ثلوج الجبال. أما عامودا فارتكبها الرفاق الأشاوس ولهذا السبب ينبغي التكتم عليها وعدم الحديث عنها في منابر الحزب الإعلامية. المؤسف أن مثقفي الحزب انخرطوا في اللعبة وتحاشوا إدانة مجزرة عامودا كما تحاشوا من قبل إدانة المجازر التي ارتكبها الحزب في هذه القرى المغلوبة على أمرها. السياسي يفعل ذلك وهذا أمر مفهوم، إنه يستغل أي حدث لإنهاك خصمه وكسب النقاط ضده في المعركة الانتخابية مثلاً. لكن معيار المثقف مختلف. المثقف يكيل بمكيال الأخلاق وليس عنده مكيالٌ ثانٍ. لا يخوض المثقف معركة انتخابية حتى يلجأ إلى الأكاذيب والمناورات البلاغية. إنه ضمير أمته، إنه ملح الأرض فإذا فسد لن يصلحه أحد. إن الذي لا يدين مجزرة عامودا ليس صادقاً في إدانته مجزرة روبوسكي. هذا هو القانون أينما كان. هل رأيت مجموعة مثقفين وقعوا بيان إدانة بخصوص مجزرة عامودا؟ هل سمعت من أحد الكتاب القريبين من دائرة الحزب كلمة يتأسف فيها على الشباب الذين قتلهم مسلحو الحزب؟
– لا. ربما لم يسمعوا بها أصلاً. حتى نحن لم نتخذ موقفاً صارماً.
– بل حتى موقفاً هشاً وخجولاً لم نتخذه.
– لماذا برأيك؟
– لأننا جبناء وعشائريون وما زالت المثل الإقطاعية تحكمنا. المثقف الذي يعتبر نفسه يسارياً ثورياً ليس سوى إقطاعي عشائري ملتزم بتقاليد العشيرة ويخضع لقانون العيب. مثقفون بقشور براقة ملفوفة على لب من الروث. مثقفون عَدَسيون.
– عدسيون؟
– نعم عدسيون. هذا اصطلاح جديد اخترعته للتو. المثقف العدسي هو الذي لا موقف له. إنه مثل حبة العدس لا تعرف وجهها من قفاها”