إعداد: سليمان علي Suleiman Ali
مقدمة:
تتناول هذه الدراسة المكانة الفكرية والأكاديمية للدكتور سربست نبي استناداً إلى معطيات سيرته العلمية ونتاجه المعرفي المستمر على مدى سنين طوال دون انقطاع يُذكر. ولا تهدف إلى منحه صفة محورية بقدر ما تسعى إلى تحليل مدى انطباق مفهوم المفكر عليه وفق المعايير المتعارف عليها في الأوساط الأكاديمية والثقافية الكردية والعربية والعالمية، مستندةً إلى مدى عمق العلاقات المتبادلة وموثوقية الأبحاث والدراسات التي تمت تقديمها من جانبه.
ويكتسب الموضوع أهميته من التمييز القائم بين المكانة الأكاديمية الرسمية والمكانة الفكرية التي تتشكل عبر التأثير المعرفي والإنتاج النقدي. فليس كل أستاذ جامعي مفكراً، وليس كل مفكر بالضرورة أكاديمياً. لكن د. سربست نبي يجمع بين الصفتين في مسار نادر التكامل، مما يستدعي وقفة تحليلية عند أبعاد هذا التكامل وحدوده.
وقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في حضور د. نبي على الساحتين الكردية والعربية، ليس فقط بوصفه أكاديمياً متخصصاً في الفلسفة السياسية، بل بوصفه صوتاً نقدياً يواجه قضايا حساسة تتعلق بالهوية والقومية والدين والدولة والمجتمع المدني. وتكمن إشكالية هذه الدراسة في السؤال التالي: هل يمكن تصنيف د. سربست نبي ضمن خانة “المفكر” بمعناها الدقيق، أم أن الوصف الأكاديمي “بروفيسور” هو الأدق والأكثر التصاقاً بطبيعة إنتاجه؟
وللإجابة على هذا السؤال، ستعتمد الدراسة على المنهج التحليلي الوصفي، مستندةً إلى البيانات المتوفرة حول سيرته الأكاديمية ومؤلفاته ودراساته المنشورة ومواقفه الفكرية الموثقة في وسائل الإعلام والمنابر الأكاديمية.
الأساس الأكاديمي والتكوين الفلسفي
وُلد سربست نبي في مدينة القامشلي في شمال شرق سورية عام 1968، في بيئة كردية سورية تعيش على هامش المشروع الوطني العربي السائد. هذا الموقع الجغرافي والسياسي المبكر سيرسم لاحقاً ملامح اهتماماته الفكرية، حيث سيتقاطع في تكوينه همّ الهوية الكردية مع انشغال فلسفي أعمق بالعدالة والحرية والدولة.
حصل نبي على شهادة البكالوريوس في الفلسفة من جامعة دمشق عام 1994، ثم واصل دراسته العليا ليحصل على دبلوم عالٍ في تاريخ الفلسفة عام 1996 بتفوق، ثم ماجستير في الفلسفة عام 2001 بامتياز عن أطروحته الموسومة “مسألة الدين”، وأخيراً شهادة الدكتوراه عام 2006 من جامعة دمشق عن بحثه “مفهوم المجتمع المدني في الفلسفة الحديثة”. هذا المسار الأكاديمي المنتظم، من البكالوريوس إلى الدكتوراه، يكشف عن تكوين فلسفي صلب لم يتخلله انقطاع، وهو ما يمنح إنتاجه اللاحق رصانة منهجية يصعب تجاهلها.
عمل نبي معيداً في قسم الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة اللاذقية (تشرين سابقاً)، كما درّس مادة فلسفة الجمال في المعهد العالي للفنون المسرحية. هذه التجربة التعليمية في سورية قبل انتقاله إلى إقليم كردستان العراق منحته اطلاعاً مباشراً على البيئة الأكاديمية العربية وحدودها، فضلاً عن إتقانه لغة الخطاب الفلسفي بالعربية، وهو أمر بالغ الأهمية لمن يطمح إلى تجاوز الحواجز اللغوية والثقافية.
بعد انتقاله إلى إقليم كردستان، عمل نبي مدرساً للفلسفة السياسية في جامعة كويه، ثم أصبح أستاذاً جامعياً في جامعة صلاح الدين في أربيل. وقد تجلت مكانته الأكاديمية في مجالات عدة، منها اختياره عضواً مؤسساً في قسم الكردولوجيا بجامعة ماردين، وتعيينه مستشاراً للأمم المتحدة في شؤون سورية ضمن لجنة الإسكوا (ESCWA)، بناءً على ورقة بحثية قدمها حول “الهوية والتعددية الإثنية في الدستور السوري”. هذا التعيين الأممي يشكل اعترافاً دولياً بقدرته البحثية في قضايا الهوية والدستور، وهي قضايا تمثل جوهر الإشكالية الكردية في سورية.
ويُلاحظ أن التكوين الفلسفي لنبي لم يكن محصوراً في التاريخ الفلسفي أو النظريات المجردة، بل امتد إلى الفلسفة السياسية والقانونية والدستورية، وهو ما يتجلى في اهتمامه بمفاهيم المواطنة والسيادة والمجتمع المدني والدولة المدنية. هذا التنوع في الاهتمامات الأكاديمية، مع العمق في كل منها، هو ما يميز المفكر عن المتخصص الضيق.
الإنتاج المعرفي: بين التأليف والبحث الأكاديمي.
لا يمكن الحديث عن المكانة الفكرية لأي باحث دون الوقوف عند إنتاجه المعرفي، و
د. سربست نبي يمتلك رصيداً ملموساً من المؤلفات والدراسات المحكمة التي تغطي حقولاً متقاطعة: الفلسفة، الفكر السياسي، النقد الديني، المسألة القومية، والمجتمع المدني.
من أبرز مؤلفاته كتاب “كارل ماركس: مسألة الدين“، الذي صدر بثلاث طبعات عن دار كنعان في دمشق عام 2002، ثم عن مؤسسة حمدي في السليمانية عام 2006، ثم طبعة ثالثة عام 2007. هذا الكتاب، الذي انطلق من أطروحته للماجستير، يعالج مسألة الدين في فلسفة ماركس بمنهج نقدي تاريخي، وهو موضوع شائك في الفكر العربي المعاصر، حيث غالباً ما يُقارب ماركس إما بالتبجيل الأيديولوجي أو بالنبذ المطلق. أما مقاربة نبي فتتسم بمحاولة فهم العلاقة الجدلية بين الدين والمجتمع في منظور ماركس، بعيداً عن التبسيط.
كما أصدر كتاب “قضايا وحوارات في الفكر العربي” في جزأين، طبعته دار حوران ودار البلد في دمشق عام 2004. هذا العمل، الذي يتضمن حوارات مع نخبة من المثقفين العرب، يعكس انشغالاً مبكراً بالحوار العربي-الكردي وضرورة تجاوزه لمرحلة الشكوك المتبادلة. وفي إحدى هذه الحوارات، يطرح السؤال بإلحاح: “هل تعتقد بأن التأهيل لهذا الحوار ممكن، رغم أن العرب يعتبروننا عملاء للغرب وإسرائيل أو ورم خبيث أو خنجر في خاصرة الأمة العربية؟”. هذا السؤال، المطروح قبل عقدين من الزمن، لا يزال يحتفظ براهنيته، مما يدل على أن نبي كان يشتغل على قضايا بنيوية في العلاقة العربية-الكردية قبل أن تصبح هذه القضية محور نقاش واسع.
ومن مؤلفاته أيضاً “المجتمع المدني: السيرة الفلسفية للمفهوم“، و”جدل المواطنة والسيادة”، و”أسئلة التجديد والإصلاح الديني، التنوير، والتحديث (محاورة مع د. نصر حامد أبو زيد)”. هذه العناوين تكشف عن مشروع فكري متكامل يربط بين النقد الديني، ونقد السلطة، وبناء مفاهيم المواطنة والمجتمع المدني في السياق العربي-الكردي. وليس هذا المشروع مجرد تراكم كمي، بل يبدو وكأنه يسعى إلى تأسيس أرضية نظرية للانتقال من الدولة القومية الأمنية إلى الدولة المدنية الديمقراطية.
أما على صعيد البحث الأكاديمي المحكّم، فقد نشر نبي دراسات في مجلات علمية عراقية وإقليمية، منها دراسة “المسألة القومية في ضوء خطاب الإسلام السياسي” في مجلة جامعة كويه، ودراسة “نوستالجيا الخلافة العثمانية: تشريح خطاب الهوية عند الرئيس التركي رجب طيب أردوغان” في مجلة جامعة واسط، ودراسة “مفهوم الدولة المدنية: مقاربة نقدية” في المجلة العراقية للعلوم الاجتماعية. هذه الدراسات، المنشورة في مجلات محكمة، تحمل طابع البحث الأكاديمي الرصين، مع توظيف لافت للمناهج النقدية في تحليل الخطاب.
وتكشف دراسة “المسألة القومية في ضوء خطاب الإسلام السياسي” عن عمق المشروع النقدي عند نبي، حيث يجادل بأن “البنية الأيديولوجية للتفكير السياسي السائد لدى الإسلاميين والاستحواذات العقائدية التي تهيمن على الخطاب الإسلامي تتناقض مع متطلبات الخطاب الديمقراطي والتحرري للمسألة الكردية”. هذا الاستنتاج ليس مجرد رأي سياسي، بل خلاصة بحث أكاديمي يقرأ النصوص الإسلامية السياسية بمنهج تحليلي نقدي.
وفي دراسة “نوستالجيا الخلافة العثمانية“، يشرّح نبي خطاب أردوغان الهوياتي، مؤكداً أن مسألة الهوية في تركيا الحديثة كانت ولا تزال “كابوساً مؤرقاً للعقل السياسي التركي”. هذا التحليل، المكتوب بأسلوب أكاديمي رصين، يتقاطع مع مواقف نبي السياسية المعلنة، لكنه لا يختزل فيها. وهنا تكمن إحدى علامات المفكر: القدرة على تحويل الموقف السياسي إلى موضوع للتحليل النظري دون أن يفقد التحليل صرامته الأكاديمية.
المفكر في مواجهة السلطة: النقد كمنهج حياة.
إذا كان الإنتاج الأكاديمي يشكل البنية التحتية للمكانة الفكرية، فإن المواقف العملية والمواجهات مع السلطات السياسية تمثل الاختبار الحقيقي لجدية المفكر.
د. سربست نبي لم يكتف بالكتابة النقدية، بل واجه تبعات مواقفه في حياته الشخصية والمهنية.
شهد عام 2026 تصاعداً خطيراً في حملة التهديدات ضد نبي، بعد انتقاداته الحادة لسياسات حزب العمال الكردستاني (PKK) والإدارة الذاتية في روج آفا.
وكشفت تقارير أن نبي تعرض لتهديدات بالاغتيال والقتل عبر مكالمات هاتفية ومنصات رقمية، وطالت التهديدات أفراداً من عائلته. وقال نبي في منشور له إن هذه الحملات “تستهدف إسقاطه معنوياً وإسكاته”، ودعا قادة الرأي العام الكردي والأوساط الأكاديمية إلى اتخاذ موقف واضح.
ما يهم في هذه الواقعة ليس فقط بُعدها الإنساني، بل دلالتها الفكرية. فالنقد الذي يمارسه نبي ليس نقداً “مأذوناً” أو “آمناً”، بل نقد يطال سلطات سياسية فعلية، ويضع صاحبه في مواجهة مباشرة مع مراكز القوى داخل المشهد الكردي. وقد لاحظ المعلقون أن انتقادات نبي للإدارة الذاتية في روج آفا جاءت “في إطار السياسة وبأسلوب علمي موضوعي”، ومع ذلك لم يسلم من التهديدات.
وتكشف هذه الحادثة عن معضلة أعمق: هل يمكن للمفكر الكردي أن يمارس النقد الحر داخل بيئته الخاصة دون أن يُتهم بالخيانة أو التخوين؟ هذا السؤال يتكرر في تاريخ الفكر الكردي الحديث، حيث غالباً ما تتحول الخلافات الفكرية إلى صراعات هوية، ويُستدعى “العدو الخارجي” لتسوية الحسابات الداخلية. وقد أثارت حملة التهديدات ضد نبي موجة تضامن واسعة من الكتاب والمثقفين والأكاديميين الكرد، أكدوا فيها أن “الاختلاف السياسي لا يجوز أن يتحول إلى استهداف شخصي أو حملات تشهير وتحريض”.
وفي مقال بعنوان “حق الكردي في الاختلاف”، دافع كاتب عن نبي واصفاً إياه بأنه “أكاديمي وفيلسوف كردي قضى سنوات طويلة في البحث والكتابة في الفلسفة والفكر السياسي وقضايا الدولة والمجتمع”، وأن “خطابه الفكري متكامل يصعب دحضه بالتلفيقات”. ويضيف الكاتب: “إن القضية الكردية في الحقيقة أكبر من حزب وأوسع من تنظيم، وروج آفا كردستان تحتاج إلى نقاش كردي حر حول تجربتها ومستقبلها”. هذه العبارة تختصر جوهر الموقف: المفكر ليس تابعاً لأي حزب أو تنظيم، بل هو صوت مستقل يمارس حقه في النقد حتى داخل جماعته.
وقد تجلى هذا الاستقلال أيضاً في مواقف نبي من قضايا إقليمية كبرى. ففي مقابلة مع قناة العربية عام 2019، اتهم نبي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بـ”إدخال مقاتلي داعش إلى سورية”، مؤكداً أن الجيش التركي “يأتي لقتال الشعب الكردي” ويمارس “هندسة ديموغرافية” في كردستان. هذه المواقف، التي تضع نبي في مواجهة ليس فقط مع أنقرة بل مع كل من يسوّق للخطاب التركي الرسمي، تظهر مفكراً لا يهادن في القضايا التي يراها جوهرية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تكفي المواقف الجريئة والمواجهات مع السلطة لمنح صفة “المفكر”؟ أم أن المطلوب هو إطار نظري متماسك يتجاوز المواقف الجزئية إلى رؤية شاملة؟
إشكالية المفهوم: من الأكاديمي إلى المفكر.
يقتضي التحليل العلمي تعريف المفاهيم التي يستند إليها البحث. فمفهوم “المفكر” ليس وصفاً فخرياً يُمنح لأي أكاديمي بارز في محفل ما، بل هو تصنيف تحليلي له شروط نظرية وعملية يتكفل بحمله الظرف الزمني الممتد لترسيخ هكذا مفاهيم بشكل متدرج في ذهنية الوسط الثقافي كطفرة في بداية الأمر لتتحول بعد حين إلى شهادة شفهية تتناقل بين الاوساط المعنية حتى تصبح ركيزة أساسية ومتلازمة بضرورة الأعتراف العلني لهذا المفهوم (مفكر).
في الأدبيات الفلسفية والاجتماعية، يُقصد بالمفكر (Intellectuel) ذلك الشخص الذي يتجاوز تخصصه الأكاديمي الضيق ليخوض في القضايا العامة، ويربط بين المعرفة النظرية والواقع الاجتماعي والسياسي، ويمارس نقداً مستمراً للسلطة والمعرفة السائدة. المفكر ليس مجرد “خبير” في حقل معين، بل هو من يمتلك “رؤية” تتقاطع فيها الحقول المعرفية، ويطرح أسئلة تتعلق بالمعنى والقيم والعدالة، لا فقط بالحلول التقنية.
بهذا المعنى، يمكن القول إن د. سربست نبي يستوفي عدداً من شروط المفكر. فهو أولاً، أكاديمي متخصص في الفلسفة، يمتلك أدوات تحليلية صلبة.
وثانياً، يتجاوز تخصصه إلى قضايا الهوية والقومية والدين والدولة.
وثالثاً، يمارس النقد ليس فقط في كتاباته الأكاديمية بل في مواقفه السياسية المعلنة.
ورابعاً، يواجه تبعات مواقفه في حياته الشخصية، وهذا اختبار جدي لصدق الالتزام الفكري.
لكن ثمة إشكالية يجب عدم تجاهلها: هل يمتلك نبي مشروعاً فكرياً متكاملاً، أم أنه يشتغل على قضايا متفرقة تفتقر إلى خيط ناظم؟
الإجابة على هذا السؤال تتطلب إسناد قراءة إجمالية لإنتاجه الضخم لمجموعة مختصة في هذا المجال.
من خلال مؤلفاته ودراساته و( بعد قراءة سريعة لعدد ليس بالقليل من مؤلفات د.نبي )، يبدو أن هناك خيطاً ناظماً يربط بين أعماله: إنه الانتقال من “الاستبداد” بمعناه الشامل (الديني، القومي، الأمني) إلى “الدولة المدنية” بمعناها الديمقراطي التعددي. كتابه عن ماركس ومسألة الدين يشتغل على نقد التبعية الأيديولوجية. وكتابه عن المجتمع المدني يؤسس للمجال العام المستقل. ودراساته عن الإسلام السياسي والمسألة القومية تنقد الخطابات الشمولية. ومقالاته عن المواطنة والسيادة تعالج إشكالية العلاقة بين الفرد والدولة.
هذا المشروع، رغم أنه لا يظهر في “نظام” فلسفي واحد أو “مذهب” مغلق، يحمل قدراً من التماسك النظري. وهو مشروع ينتمي إلى تقليد التنوير النقدي، بمعناه الكانطي: الجرأة على استخدام العقل، والخروج من حالة القصور الذاتي.
ومع ذلك، يمكن القول إن نبي لم يحقق بعد الشهرة الواسعة التي حققها مفكرون كرد آخرون على سبيل المثال لا الحصر (محمد أمين زكي//سعيد النورسي)، أو مثقفون عرب مثل نصر حامد أبو زيد أو محمد عابد الجابري. وهذا لا يعود بالضرورة إلى ضعف في إنتاجه، بل إلى جملة عوامل: محدودية الترجمة إلى اللغات الأجنبية، وضيق مساحة النشر الأكاديمي المستقل في المنطقة، والطبيعة الاستقطابية للفضاء السياسي الكردي الذي يجعل النقد المستقل مكلفاً.
أحيانا المقارنة الفكرية المحصورة بين زمنين مختلفين من الناحية الشكلية التي كانت تفتقر للأدوات والامكانات المتاحة حالياً غير مقبولة ويعتبر خذلان أخلاقي.
– ولكن ماذا لو عاد سربست الآن إلى زمن معاهدة لوزان كما كان شريف باشا حاضراً ومعدٌاً في اتفاقية سيفر؟
– ماذا لو حضر شريف باشا من ماضيه إلى حاضرنا وأشرف على أتفاقية 10 مارس؟
– ماذا لو كان زمام مؤتمر وحدة الصف الكردي بيد الدكتور نبي من ألفها إلى يائها؟
وإلى جانب ذلك، يمكن الإشارة إلى أن مفهوم “المفكر” في السياق الكردي والعربي غالباً ما يُمنح لأصحاب المشاريع الأيديولوجية الكبرى، وليس للنقاد المنهجيين الذين يشتغلون على تقويض الأيديولوجيات. وبهذا المعنى، فإن نبي قد يكون ضحية نجاحه في أن يكون “غير أيديولوجي” بما يكفي ليندرج تحت خانة “المفكر” بمعناها الشائع في الإعلام والثقافة الجماهيرية الغائبة عن واقعها المزري.
خاتمة..
بعد استعراض الأساس الأكاديمي لد. سربست نبي، وإنتاجه المعرفي، ومواقفه النقدية، وإشكالية مفهوم المفكر، يمكن الخروج بجملة استنتاجات.
أولاً، لا شك في أن د. سربست نبي بروفيسور أكاديمي راسخ. تكوينه الفلسفي المنتظم، وتدرجه الأكاديمي من معيد إلى أستاذ، ونشره في مجلات محكمة، وتعيينه مستشاراً أممياً، كلها مؤشرات لا لبس فيها على مكانته الأكاديمية. وصفه بأنه “ليس بروفيسوراً كردياً فحسب” لا يقلل من هذه المكانة، بل يضعها في سياق أوسع.
ثانياً، يتجاوز نبي حدود التخصص الأكاديمي الضيق إلى ممارسة النقد العام، وهذا ما يجعله يستحق وصف “المفكر” بمعناه الدقيق. فهو لا يكتفي بتحليل النصوص الفلسفية، بل يوظف أدواته التحليلية لفهم الواقع السياسي والاجتماعي، ويطرح أسئلة تتعلق بالعدالة والحرية والهوية. وهذا التجاوز ليس اختياراً ترفيهياً، بل ضرورة فرضتها عليه طبيعة القضايا التي يشتغل عليها: المسألة الكردية، علاقة الدين بالسياسة، الدولة المدنية، المواطنة.
ثالثاً، يمارس نبي النقد في مواجهة سلطات فعلية، ويدفع ثمن ذلك في حياته الشخصية. وهذا يميزه عن الأكاديميين الذين يكتفون بالنقد “الآمن” أو “النظري”. والمفكر الحق هو من يربط بين الكلمة والموقف، بين الفكر والممارسة.
رابعاً، رغم ذلك، لا يمكن الحديث عن “مشروع فكري” مكتمل بالمعنى الذي نجده عند المفكرين. إنتاج نبي، على غناه، لا يزال موزعاً على دراسات ومقالات وحوارات، ويفتقر إلى العمل التركيبي الذي يقدّم رؤيته الشاملة في نصوص منهجية مترابطة. لكن هذا ليس عيباً في المفكر بقدر ما هو سمة من سمات اللحظة التاريخية والموقع الجغرافي: اللحظة الكردية-السورية الراهنة لا تسمح بالترف النظري الخالص، بل تفرض على المفكر أن يكون “في الميدان” أكثر من كونه في “البرج العاجي”.
وفي المحصلة، يمكن القول إن د. سربست نبي يستحق وصف “المفكر الكردي” دون تردد. لكن هذا الوصف لا ينبغي أن يُفهم بمعنى “المفكر الشامل” الذي يمتلك إجابة لكل الأسئلة، بل بمعنى المفكر الناقد والمفكر العنيد الذي يمتلك الجرأة على طرح الأسئلة الصعبة، داخل جماعته كما خارجها، ويواجه تبعات طرحه دون أن يتراجع. وهذا، في نهاية الأمر، قد يكون أصدق تعريف للمفكر في عصرنا هذا.
19.09.2026






