هناك أسئلة لا يجوز أن تدفن تحت لغة البيانات الرسمية ولا أن تخفى خلف عبارات من نوع الصرف مستمر والإجراءات قيد الإنجاز والسيولة المتاحة
ومن هذه الأسئلة اليوم:
كيف تطلب الدولة من الفلاح أن يزرع وهي لا تملك القدرة على دفع ثمن ما زرعه؟
الفلاح لم يطلب من الدولة قرضا
لم يطلب إعانة
لم يطلب منحة
لقد زرع أرضه دفع ثمن البذار والأسمدة والمحروقات استدان لتأمين مستلزمات الإنتاج تحمل مخاطر الطقس والسوق حصد محصوله ثم سلمه إلى الجهات المعنية
وبعد كل ذلك عندما حان موعد قبض ثمن محصوله قيل له: انتظر لا توجد سيولة كافية
هنا يجب أن نتوقف
فالمسألة لم تعد تأخيرا مصرفيا عابرا بل أصبحت سؤالا عن قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها
الفلاح ليس مصرف الدولة
أسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول نقص السيولة لدى الدولة إلى قرض إجباري من الفلاح
فعندما تتأخر الدولة في دفع ثمن القمح فإنها عمليا تستخدم مال المزارع لتمويل عجزها
المزارع يصبح دائنا
والدولة تصبح مدينة
لكن المفارقة أن الدائن هنا هو الطرف الأضعف والمدين هو الطرف الذي يمتلك مؤسسات الدولة وأجهزتها ومواردها
فهل من العدالة أن يدفع الفلاح ثمن أزمة مالية لا علاقة له بصنعها؟
إذا كانت الخزينة تعاني من نقص السيولة فهذه مشكلة الدولة
أما ثمن القمح الذي استلمته الدولة فهو حق للمزارع
ولا ينبغي أن يتحول ضعف الإدارة المالية أو نقص السيولة إلى مشكلة تلقى على عاتق من زرع وحصد وأنتج
ماذا تريد الدولة من الفلاح بالضبط؟
تريد منه أن يزرع القمح
تريد منه أن يزيد الإنتاج
تريد منه أن يساهم في الأمن الغذائي
تريد منه أن يثق بالسعر الذي تحدده
وتريد منه أن يسلم محصوله إلى مؤسساتها
لكن عندما ينتهي الموسم ويضع الفلاح محصوله في الصوامع يصبح هو الطرف الذي عليه الانتظار
هذه ليست شراكة
الشراكة تعني أن يتحمل الطرفان المسؤولية
إذا كان الفلاح يتحمل مخاطر الإنتاج فعلى الدولة أن تتحمل مسؤولية الوفاء بالتزاماتها
وإذا كانت الدولة تريد أن تجعل القمح محصولا استراتيجيا فعليها أن تتعامل مع ثمنه باعتباره أولوية استراتيجية لا فاتورة تنتظر توفر السيولة
القمح ليس ورقة في دفتر المحاسبة
المشكلة أن التعامل الإداري مع مستحقات المزارعين قد يجعل القضية تبدو وكأنها مجرد أرقام وفواتير
لكن خلف كل فاتورة قصة
خلفها مزارع استدان
وخلفها عامل ينتظر أجره
وخلفها أسرة تنتظر المال
وخلفها موسم زراعي جديد يحتاج إلى بذار وأسمدة ومحروقات
عندما يتأخر دفع ثمن القمح لا يتوقف الضرر عند المبلغ المستحق
إنه يبدأ بتأخير سداد الديون ثم الاقتراض من جديد ثم تقليص الإنفاق على الموسم التالي وقد ينتهي بتقليص المساحات المزروعة أو ترك الزراعة
وهنا تقع المفارقة الكبرى:
الدولة التي تؤخر دفع ثمن القمح اليوم قد تضطر غدا إلى إنفاق أموال أكبر لاستيراد القمح الذي لم يعد الفلاح قادرا على إنتاجه
فأي سياسة اقتصادية هذه؟
“لا توجد سيولة”… ومن قال إن الفلاح لديه سيولة؟
حين يقال للمزارع إن الدولة لا تملك السيولة الكافية يحق للمزارع أن يسأل:
وهل أنا أملكها؟
هل يستطيع الفلاح أن يقول لمورد الأسمدة: “انتظر حتى تتوفر السيولة”؟
هل يستطيع أن يقول للعامل: “أجرتك ستصرف تباعا”؟
هل يستطيع أن يقول لصاحب الآلية: “الإجراءات المالية لم تكتمل”؟
هل يستطيع أن يؤجل حاجات أسرته لأن الجهات الرسمية لم تتمكن من تأمين المبلغ المستحق له؟
بالطبع لا
لماذا إذن يطلب منه وحده أن يتحمل التأخير؟
هذه هي المفارقة التي يجب أن تواجهها السياسة المالية بكل وضوح
الدولة التي تريد الأمن الغذائي عليها أن تحمي المنتج
لا يمكن بناء الأمن الغذائي بالشعارات
ولا يمكن إقناع الفلاح بزراعة القمح من خلال سعر معلن فقط
الأمن الغذائي يبدأ من ثقة المزارع بأن ما ينتجه سيجد طريقه إلى جيبه في الوقت المناسب
فالمزارع يتخذ قراراته الاقتصادية على أساس ما يحدث لا على أساس ما يقال له
إذا سلم محصوله اليوم ولم يحصل على ثمنه إلا بعد أشهر فسوف يتذكر ذلك عندما يأتي موعد الزراعة المقبلة
وقد يسأل نفسه ببساطة:
لماذا أزرع محصولا استراتيجيا إذا كنت سأنتظر ثمنه؟
ولماذا أتحمل مخاطر الإنتاج إذا كان الطرف الذي يشتري مني غير قادر على الوفاء في الوقت المحدد؟
وهنا يصبح تأخير المستحقات خطرا على الموسم المقبل وليس مجرد مشكلة في الموسم الحالي
المشكلة ليست في “شام كاش”… المشكلة في الحق نفسه
قد يكون استخدام وسائل الدفع الإلكتروني خطوة تقنية مفيدة وقد يساعد في تسريع بعض الإجراءات
لكن لا ينبغي أن نخلط بين الوسيلة والجوهر
المزارع لا يطالب بطريقة دفع معينة
هو يطالب بحقه كاملا وفي الوقت المناسب
فالمشكلة ليست في أن يدفع له المال عبر مصرف أو تطبيق أو نقدا
المشكلة أن يبقى ينتظر أصلا
لا يجوز أن تتحول الأدوات التقنية إلى غطاء لمشكلة جوهرية عنوانها: لماذا لم يدفع المال المستحق بعد؟
من يحاسب على التأخير؟
هنا السؤال الأكثر أهمية
عندما يتأخر مواطن عن دفع ما عليه للدولة تكون هناك غرامات وإجراءات ومطالبات وربما دعاوى قضائية
لكن عندما تتأخر الدولة في دفع ما عليها للمواطن من يتحمل المسؤولية؟
من يشرح للمزارع سبب التأخير؟
من يعوضه عن الضرر إن ترتبت عليه ديون إضافية؟
من يتحمل خسارة فرصة شراء مستلزمات الموسم الجديد؟
ومن يضمن ألا تتكرر المشكلة في العام المقبل؟
لا يكفي أن يقال إن “الصرف سيستمر”
المطلوب شفافية ومساءلة وجدول زمني واضح
فالمواطن لا يجب أن يكون آخر من يعرف أين ذهبت أمواله ومتى سيحصل عليها
لا تطلبوا من الفلاح أن يكون بطلا على حساب عائلته
لطالما طلب من الفلاح السوري أن يصمد
أن يتحمل
أن يزرع رغم ارتفاع التكاليف
أن يواجه الجفاف
أن يواجه نقص المحروقات
أن يواجه غلاء مستلزمات الإنتاج
أن يحافظ على الأرض
أن يؤمن الغذاء
لكن الصمود له حدود
ولا يجوز أن يتحول شعار “صمود الفلاح” إلى ذريعة لتحميله مزيدا من الأعباء
الفلاح ليس خزينة احتياطية للدولة
وليس من وظيفة الفلاح أن يمول عجز المؤسسات العامة
ولا يجوز أن تكون الوطنية الاقتصادية طريقا باتجاه واحد: مطلوب من المواطن أن يؤدي ما عليه فورا بينما تستطيع الدولة تأجيل ما عليها إلى أجل غير معلوم
إذا لم تدفع الدولة للفلاح فمن سيدفع ثمن ذلك؟
في النهاية سيدفعه الجميع
سيدفعه الفلاح من قدرته على الاستمرار
ويدفعه العامل من فرص عمله
ويدفعه التاجر من تراجع السوق
ويدفعه المستهلك من ارتفاع الأسعار
وتدفعه الدولة لاحقا من فاتورة الاستيراد
ويدفعه المجتمع من تراجع الإنتاج والهجرة من الريف وتراجع الثقة بالقطاع الزراعي
لهذا فإن مستحقات المزارعين ليست بندا ماليا يمكن تأجيله بلا نهاية
إنها جزء من الدورة الاقتصادية بأكملها
كلمة أخيرة
لا يحتاج الفلاح إلى خطاب جديد
ولا يحتاج إلى وعد جديد
ولا يحتاج إلى أن يقال له إنه “أولوية”
إذا كان فعلا أولوية فليعامل على هذا الأساس
ادفعوا ثمن القمح
هذه ليست مطالبة مبالغا فيها
إنها أبسط قاعدة في أي علاقة اقتصادية:
من يأخذ السلعة يدفع ثمنها
أما أن تطلب الدولة من الفلاح أن يزرع وتستلم محصوله ثم تقول له إنها لا تستطيع دفع ثمنه فهنا لا يعود السؤال عن القمح وحده
السؤال يصبح عن الدولة نفسها:
إذا كانت الدولة لا تستطيع دفع ثمن الغذاء الذي ينتجه فلاحوها فكيف ستقنع هؤلاء الفلاحين بأن يزرعوا غدا؟
وإذا فقد الفلاح ثقته بأن محصوله سيعيد إليه رأس ماله فإن الخطر لن يكون فقط في فاتورة متأخرة
الخطر أن يتوقف الفلاح عن الزراعة
وعندها لن يكون لدينا سؤال:
أين ثمن القمح؟
بل سيكون السؤال الأخطر:
أين القمح؟






