مقالات

المجلس الوطني الكردي وضرورة المشروع القومي

كاميران خلف برو

تعاني القضية الكردية في سوريا من مفارقة سياسية لافتة تستحق التوقف عندها . فمن جهة، يتزايد الاعتراف بعدالة هذه القضية وبكونها قضية شعب أصيل يعيش على أرضه التاريخية، ومن جهة أخرى لا يزال هناك عجز بنيوي واضح عن تحويل هذه العدالة التاريخية إلى مشروع سياسي متكامل، قابل للتفاوض وقادر على إنتاج ضمانات دستورية وقانونية دائمة .
وهنا تحديداً تكمن إحدى أهم الإشكاليات التي تواجه المجلس الوطني الكردي في سوريا .
لقد نجح المجلس، خلال مسيرته السياسية، في الحفاظ على حضوره بوصفه إطاراً يمثل جزءاً مهماً ووازناً من الحركة القومية الكردية، كما استطاع نقل الصوت الكردي إلى عدد من المحافل الإقليمية والدولية . غير أن الحضور السياسي، مهما اتسعت دوائره، لا يكفي وحده لصناعة مرجعية قومية .
فالمرجعية لا تُبنى بالبيانات الموسمية ولا بردود الأفعال على التطورات المتسارعة، وإنما تحتاج إلى وثيقة سياسية تأسيسية شاملة تجيب، بوضوح ومن دون مواربة، عن السؤال الأكثر جوهرية :
ماذا يريد الكرد في سوريا، وما شكل وجودهم السياسي والدستوري في الدولة السورية الحديثة؟
إن غياب إجابة واضحة ومؤسساتية عن هذا السؤال يحوّل القضية الكردية، من حيث الممارسة السياسية، من حق قومي ثابت إلى ورقة تفاوضية تتأثر بتبدل التحالفات وموازين القوى، كما يضعف ثقة الشارع الكردي الذي يبحث عن أفق سياسي مستقر، لا عن مواقف تتغير بتغير الظروف .
إن أي مشروع قومي جاد يجب أن يغادر منطقة العموميات والشعارات المريحة، وأن يدخل مباشرة في صلب البنية الدستورية والقانونية للدولة السورية المقبلة .
وتبدأ الخطوة الأولى من تعريف مكانة الكرد أنفسهم . فالمطلوب هو الانتقال من توصيفهم باعتبارهم مجرد « مكوّن ثقافي » إلى الاعتراف بهم بوصفهم شعباً أصيلاً وشريكاً قومياً في البلاد، وأن يصبح هذا الاعتراف جزءاً أساسياً من العقد الاجتماعي والدستوري السوري الجديد . فالتوصيف القانوني ليس مجرد مسألة لغوية، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه منظومة الحقوق السياسية والقومية اللاحقة .
كما لا يمكن الحديث عن مستقبل عادل من دون معالجة إرث السياسات التي استهدفت الوجود الكردي طوال عقود، وفي مقدمتها الإحصاء الاستثنائي لعام 1962، وسياسات الحزام العربي، والاستيلاء على الأراضي والممتلكات، والقوانين والمراسيم التي ساهمت في تغيير البنية السكانية وحرمان آلاف المواطنين الكرد من حقوقهم .
وتحتاج معالجة هذه الملفات إلى آلية قانونية واضحة ضمن مسار للعدالة الانتقالية، يعيد الحقوق إلى أصحابها ويلغي النتائج القانونية والديموغرافية المترتبة على تلك السياسات، بدلاً من الاكتفاء بالاعتراف الأخلاقي بالمظلومية .
وفي الجانب اللغوي والثقافي، لا يجوز اختزال الاعتراف باللغة الكردية في السماح بتدريسها كمادة ثانوية أو نشاط ثقافي محدود، بل يجب أن تكون لها مكانة دستورية واضحة، وأن تُعتمد لغة رسمية في مناطقها، وأن تدخل بصورة مؤسساتية في التعليم والإدارة والقضاء والإعلام الرسمي .
كذلك فإن التمثيل السياسي للكرد لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد مقاعد رمزية أو بروتوكولية، بل يجب أن يقوم على ضمان دستوري يتيح لهم المشاركة الحقيقية في صناعة القرار الوطني وفي مؤسسات الدولة .
أما القضية الأكثر حساسية وأهمية، فهي شكل النظام الإداري والسياسي للدولة .
فاللامركزية الإدارية بصيغتها التقليدية، كما تطرحها بعض قوى السورية، لا تكفي لمعالجة قضية قومية متجذرة ولا تحقق الحد الأدنى من الضمانات المطلوبة . ولذلك بات ضرورياً أن يحسم المجلس الوطني الكردي موقفه، وأن يطرح تصوراً واضحاً ومفصلاً حول اللامركزية السياسية أو الفيدرالية بوصفها إحدى الصيغ الممكنة والعادلة لإدارة التعدد القومي والسياسي في سوريا .
ولا يكفي هنا إطلاق المصطلحات، بل يجب تقديم تصور واقعي للجغرافيا والإدارة والصلاحيات والموارد والعلاقة بين المركز والأقاليم أو الوحدات السياسية، بحيث يتحول الشعار إلى مشروع دستوري قابل للنقاش والتفاوض .
أما الدعوة إلى وحدة الصف الكردي، التي نتمسك بأهميتها، فلا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لإسكات النقد أو تعطيل النقاش السياسي .
فالوحدة الحقيقية لا تعني توحيد الأصوات، بل توحيد الأهداف الأساسية . ولا تُبنى بالمجاملات الحزبية، وإنما عبر عقد قومي كردي يضع المصلحة العليا للشعب فوق الولاءات الحزبية، وفوق الحسابات الضيقة، وفوق الاصطفافات الإقليمية .
وهذا العقد القومي ليس مسألة منفصلة عن المشروع، بل هو جوهره وأساسه .
إن التاريخ لا يرحم القوى السياسية التي تكتفي بتوثيق المظلومية من دون أن تمتلك مشروعاً للخروج منها .
لقد أثبت الشعب الكردي، عبر عقود طويلة من الإنكار وسياسات الصهر والاقتلاع، أنه باقٍ على أرضه ومتمسك بهويته وحقوقه . واليوم تقع المسؤولية على نخبه السياسية، وفي مقدمتها المجلس الوطني الكردي، لكي تثبت أنها قادرة على تحويل هذا الوجود التاريخي الراسخ إلى وجود حقوقي وسياسي ودستوري محمي .
فالمرحلة المقبلة لا تحتاج إلى المزيد من توصيف المأساة بقدر ما تحتاج إلى مشروع واضح للخروج منها .
وحان الوقت للانتقال نهائياً من ثقافة المطالبة بالحقوق إلى ثقافة صناعة المشروع القومي الذي يحمي هذه الحقوق ويضمن استمرارها .

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب