مقالات

حرق السجناء: من أبشع جرائم الطغاة… ومن أوضح بشائر سقوطهم في المعادلة التاريخية الكونية

محمدالشرف الحسيني
حرق السجناء جريمة من أقذر الجرائم التي يمكن أن يرتكبها نظام أو سلطة بحق الإنسان، وهي جريمة تتكرر في تاريخ الاستبداد بحق الشعب الكوردي، وكأن الطغيان كلما شعر باقتراب نهايته، لجأ إلى أقصى درجات الوحشية والانتقام.
إن قتل الإنسان جريمة، أما حرقه وهو أسير أو سجين، فهو مستوى آخر من الانحطاط؛ لأنه لا يستهدف جسد الإنسان فقط، بل يستهدف كرامته، ويحاول تحويله إلى رسالة رعب موجهة إلى شعب بأكمله.
لكن للتاريخ منطقه أيضًا.
فالطاغية الذي يحرق السجين لأنه عاجز عن مواجهة فكرته، إنما يعلن، من حيث لا يدري، عن خوفه من المستقبل. والطغيان الذي يصل إلى هذه الدرجة من الوحشية يكون قد بدأ يأكل نفسه من الداخل.
وهنا تظهر تلك المعادلة التاريخية الكونية التي تتكرر بأشكال مختلفة:
كلما ازداد الطغيان وحشيةً، اقتربت لحظة انكشافه وسقوطه. وكلما حاول سحق شعب كامل بالنار والحديد، ازداد ذلك الشعب تمسكًا بذاكرته وهويته وحقه.
وما يحدث هذه الأيام في كوردستان سوريا ليس مجرد أحداث متفرقة، بل يمكن قراءته بوصفه رسالة سياسية خطيرة، تتقاطع فيها سياسات تركيا مع مواقف التيار الكوردي اللاقومي، وموجهة في نتيجتها إلى الشعب الكوردي في سوريا وإلى حكومة إقليم كوردستان:
إياكم، ثم إياكم، أن تطالبوا بحقوقكم القومية الكوردية!
هذه هي الرسالة التي يبدو أنها تُراد أن تصل إلى الكورد في سوريا وإلى قيادة إقليم كوردستان.
والمفارقة أن المطالبة بالحماية الدولية للشعب الكوردي في سوريا كانت ضرورة منذ عام 2012، وما زالت هذه الحاجة قائمة حتى اليوم، في ظل ما تعرضت له المناطق الكوردية من حروب وتهجير وانتهاكات وتغييرات ديموغرافية واستهداف لمقومات الوجود الكوردي.
ومع ذلك، فإن الحركة الكوردية في سوريا لم تجعل المطالبة بالحماية الدولية مطلبًا سياسيًا جادًا ومعلنًا طوال هذه السنوات.
والسبب، من وجهة نظري، واضح: لأنها حركة لاقومية في جوهرها، حتى وإن تلبّست ألف شعار قومي ورفعت ألف راية كوردية.
فالقومية ليست مجرد شعارات ولا رايات ولا أسماء؛ القومية، قبل كل شيء، هي الدفاع عن وجود الشعب وحقوقه وهويته وأرضه ومصالحه السياسية، واتخاذ المواقف التي تحمي هذه الحقوق عندما تتعرض للخطر.
أما أن تُرفع الشعارات القومية في المناسبات، ثم يجري الابتعاد عن المطالب التي تحمي الشعب فعليًا عندما يكون في أمسّ الحاجة إليها، فهذه ليست قومية في مفهومها السياسي والعملي، بل توظيف للقومية دون الالتزام بجوهرها.
والأخطر من ذلك أن تتحول بعض القوى الكوردية اللاقومية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى عامل يُضعف الموقف الكوردي، ويُسهّل تمرير سياسات تُلحق أفدح الأضرار بالشعب الكوردي في سوريا.
إن الشعب الكوردي لا ينبغي أن يُطلب منه أن يتخلى عن هويته القومية حتى يُسمح له بالحصول على حقوقه، ولا أن يقبل بأن تكون حقوقه رهينة لموازين القوى الإقليمية.
الحقوق القومية ليست جريمة، والهوية الكوردية ليست تهمة، والمطالبة بالحماية والحقوق المشروعة ليست تهديدًا لأحد.
ولهذا، فإن ما يحدث اليوم يجب أن يكون موضع إنذار حقيقي، ليس للشعب الكوردي في سوريا فحسب، بل أيضًا لحكومة إقليم كوردستان.
لا تسمحوا بأن تتحول كوردستان سوريا إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ولا تسمحوا بأن يُستخدم شعار اللاقومية لتفريغ القضية الكوردية من مضمونها، ثم يُطلب من الشعب الكوردي دفع ثمن ذلك من أرضه وهويته ومستقبله.
فالشعوب لا تموت بحرق سجنائها، ولا تُمحى ذاكرتها بإحراق أجساد أبنائها.
النار قد تحرق الجسد، لكنها لا تحرق القضية. وقد يحرق الطاغية السجين، لكنه لا يستطيع أن يحرق التاريخ.
والتاريخ، في النهاية، لا يحفظ للطغاة نارهم، بل يحفظ سقوطهم.
والرسالة المقابلة يجب أن تكون واضحة:
الشعب الكوردي لن يتخلى عن هويته، ولن يتنازل عن حقوقه القومية، ولن يسمح لأحد بأن يقرر بالنيابة عنه مقدار ما يستحقه من حقوق.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب