مقالات

دور التنظيمات السياسية في بناء المجتمع وتأهيله في كُردستان سوريا

عبداللطيف محمدامين موسى

يُلاحظ المتتبع لجملة التطورات والمستجدات الدراماتيكية والمصيرية التي تمر بها المنطقة وسوريا ككل، والمناطق الكُردية في سوريا على وجه الخصوص، أن التنظيمات والأحزاب والكيانات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني في كُردستان سوريا تمثل العمق التاريخي والثقافي والعقائدي والاجتماعي للشعب الكُردي، ولما تمثله من أهمية نضالية في الدفاع عن الحقوق القومية والوطنية عبر الاستحقاقات الدستورية والمواد فوق الدستورية، وجعل العدالة والمساواة والشراكة البعيدة عن الإقصاء والمواطنة الحقيقية أساسًا للحياة السياسية.

إن جملة هذه الأمور تعطي الأحزاب والكيانات والتنظيمات السياسية أهمية كبيرة، كونها الوسيلة التي يمكن من خلالها بلوغ الغاية وتحقيقها. لذا، وبحجم ومستوى الآمال المعقودة عليها، فهي مطالبة بضرورة إعادة التنظيم الفكري والثقافي والعقائدي والنفسي وعلى مستوى الشخصية. وتعتبر هذه الأمور من أكثر الضرورات إلحاحًا من خلال دورها في التعبير عن المجتمع والحفاظ على الوجود، وتمثيل غالبية الشارع الكُردي، ومنع الانصهار والتلاشي في ظل التحديات العسكرية والأمنية وإنكار الوجود القومي والتاريخي للشعب الكُردي.

وهي الوسيلة التي يتم من خلالها السعي والنضال من أجل تحقيق الغاية، إذ يتوجب عليها إعادة التأهيل عبر وضع الخطط والاستراتيجيات التي تناسب الحالة الواقعية السياسية الجديدة، ومواجهة كافة التحديات المتمثلة في إنهاء حالة الفراغ الفكري والإحساس بالضعف العقائدي، وإعادة إصلاح الخلل الفكري المتمثل في ضعف الإرادة، وتصحيح المغالطات الناتجة عن العولمة، وانتشار الفوضى في الفضاء الافتراضي، وحرب الجاسوسية، وتشويش الأفكار والأيديولوجيات، وصراع المصالح، والحرب الإعلامية على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تعتبر من أخطر التحديات على المستوى الفكري والاجتماعي والأخلاقي والعقائدي التي تواجه الشعب والقواعد الاجتماعية في كُردستان سوريا.

وعند الدراسة الأكاديمية والعلمية والفلسفية لضرورة التنظيم وأهمية دوره، نلاحظ أن التنظيم يعتبر من الأمور الأساسية في تكوين الاستمرارية الكونية والبشرية، معتمدًا على الإعجاز الإلهي في تكوين المخلوقات والكون والكواكب والنجوم والأنهار والمحيطات والجبال والوديان، وخلق الليل والنهار والمناخ والفصول الأربعة والتكاثر والفناء بشكل منظم، مستندًا إلى قوة الحكمة الإلهية.

ومن خلال دراسة التاريخ والتطرق إلى الأمور التاريخية في دراسة الإمبراطوريات وتأسيس الممالك والحضارات، تقودنا هذه الدراسة إلى أنه لا يمكن الفصل بين الممالك والحضارات والتنظيم. فالتنظيم يعتبر من الأمور الأساسية ومن العناصر المهمة في تكوين تلك الحضارات، كما أن تنظيمها كان أساس ديمومة استمراريتها والعنصر المهم في تسيير شؤون مؤسساتها، سواء الدينية والروحية كالمعابد، أو المؤسسات التي تحمي المملكة أو الإمبراطورية مثل الجيش وصناعة الأسلحة، أو المؤسسات التي تقوم بتنظيم الشؤون اليومية والإدارية والمعيشية من خلال تأمين الغذاء والملبس والتعليم، ليكون التنظيم العنصر الأساسي لاستمرارية تلك المؤسسات.

وكلما تعمقنا في دور التنظيم في تأسيس واستمرارية الإمبراطوريات والممالك، لا بد أن نستذكر الإمبراطورية السومرية والحضارة المصرية وما خلفتاه من آثار حضارية ما زالت ممتدة إلى يومنا هذا. ومن خلال اكتشاف النار وأسلوب التعايش بين الإنسان والطبيعة والعلاقة التي تحكم بين الأجيال، نرى في دراسة الحضارات أن التنظيم كان العنصر الأساسي في تكوينها واستمراريتها من خلال تحقيق التوازن بين مؤسساتها. فمن دون تحقيق هذا التوازن، لم يكن لتلك الحضارات أن تستمر لآلاف السنين وتترك وراءها آثارًا تشهد عليها إلى الآن.

إن التنظيم الناجح عامل مهم في تشكيل المعنويات والأفكار والاستعداد لقبول الهدف، والذي ينجم عنه تشكيل الإرادة في صنع القرار، ويقود إلى تحقيق النجاح والهدف المبتغى من التنظيم. ومن هنا يتشكل مضمون عملية التنظيم في تحقيق التوازن في كافة نواحي الحياة أو في المؤسسة المراد العمل فيها، كما يكون العامل الأساسي في تكوين الشخصية الإيجابية التي بدورها تقبل التكيف والتأقلم مع المحيط الذي يمر به الفرد.

وهذا يقودنا إلى أهمية التنظيم في بناء المجتمع والشخصية معًا، فمن دون التنظيم سيصبح المجتمع والإنسان في خلل كبير يترتب عليه الفشل. فالشخصية هي اللبنة الأولى في تكوين الإنسان، الذي بدوره هو النواة الأساسية في تشكيل المجتمع. لذا فإن التنظيم يعني الترتيب في الأفكار والمعتقدات والأحاسيس والعواطف، وتهيئة البيئة المساعدة في تكيف الإنسان مع محيطه المادي والمعنوي، ليشكل فعالية في المجتمع.

والتنظيم يشكل أساس المعتقد والدافع إلى تحقيق النجاح. وعلى صعيد الشخصية نلاحظ أن التنظيم الفكري والمادي بكل جوانبه قاد إلى بروز قادة وشخصيات غيرت مسار التاريخ، من أمثال الرسل والقادة العظام، لتتحول هذه الشخصيات إلى معتقد أو مدرسة أو نهج تتناقله الأجيال، كمدرسة البارزاني الخالد التي تعتمد على التنظيم الفكري بكل جوانبه، وتدفع الإنسان إلى التضحية بحياته ونيل أعلى درجات الشهادة في سبيل معتقده ومحاربة الظلم من أجل الحرية.

إن التنظيم يؤدي إلى صفاء الفكر وتنقيته من الشوائب ليصبح فاعلًا في تحقيق غاية نبيلة، فهو عملية كاملة ومتكاملة في الشكل والمضمون في تكوين الشخصية القوية في المجتمع من خلال تأمين الترتيب وعدم الخلط بين كل ما يؤدي إلى النجاح أو الفشل.

وهنا لا بد من عرض مقومات التنظيم، والتي تتكون من توافر الإرادة والتصميم وترتيب الأفكار والعواطف والمستلزمات المادية في البيئة المحيطة بالإنسان، كي يؤدي دوره الفاعل في المؤسسة أو الحزب أو المجتمع أو الدولة. ولولا التنظيم بجانبيه الفكري والمادي لما شهدنا تشكيل إمبراطوريات وحضارات ودول قوية مسيطرة على العالم اقتصاديًا وفكريًا وعسكريًا، كما أن التنظيم كان من الأسباب الأساسية في قيام ثورات لمحاربة الديكتاتوريات.

وفي المقابل، فإن عدم التنظيم يعتبر من الأسباب التي ساهمت في انهيار الكثير من الدول أو بقائها بعيدة عن ركب الحضارة، كما أن غياب التنظيم يخلق الفساد بكل أشكاله في المجتمع أو الحزب أو الدولة، ويعد عاملًا مهمًا في استمرار الفشل والترهل.

والتنظيم هو العامل الأساسي الذي تُبنى عليه استراتيجيات وأيديولوجيات الدول المتقدمة، من خلال وضع الخطط السليمة للتقدم وتجنب الفشل. كما أن عدم التنظيم الفكري كان من الأسباب التي أسهمت في تكوين حالة من الحاجة إلى التغيير لدى دول الشرق الأوسط، مثلما حدث فيما سمي بالربيع العربي.

وكذلك فإن عدم التنظيم بشقيه الفكري والمادي في بناء الإنسان والمجتمع كان من الأسباب الأساسية لما تعانيه الحركة السياسية الكُردية في كُردستان سوريا من عدم القدرة على مواكبة التطورات المتسارعة والمستجدات العالمية والإقليمية والدولية منذ بداية الأزمة السورية وحتى الآن، من خلال عدم قدرة الحركة السياسية الكُردية على الاستفادة من التنظيم بكل أشكاله، والاعتماد على الشخصنة والفردية بدل التنظيم والمؤسساتية في العمل، وعدم بناء الإنسان السليم ليشغل المسؤولية المناسبة.

وبالتالي، قاد ضعف التنظيم مكونات الثورة السورية والأحزاب والكيانات الكُردية وما تسمى الإدارة الذاتية في سوريا إلى عدم الاستفادة من مكونات التنظيم السليم، والاستمرار في دوامة الترهل والفساد والعجز عن تفادي الفشل.

إن التنظيم يكمن في ترتيب الأولويات والقدرة على احتواء جميع مكونات المجتمع، والاعتماد على الأكاديمية في تفعيل العمل المؤسساتي، واستيعاب الشباب والطلبة والمرأة وجميع مكونات المجتمع، من خلال تنظيمهم في بوتقة العمل المشترك والمتكامل بعيدًا عن العشوائية والمزاجية في العمل.

ومن خلال عرض كل ما سبق، فإن ما يهمني هو وضع القارئ الكريم أمام أهمية التنظيم ودوره الكبير في بناء الشخصية والإنسان والمجتمع، وقيادة عمل منظم فكريًا من خلال عقيدة وإرادة قوية تقود إلى عمل مؤسساتي ناجح، وكذلك توفير جميع المستلزمات التي تساعد الإنسان على التكيف مع نفسه ومع المجتمع، ليكون الأداة الأساسية في بناء المؤسسة أو الحزب أو الدولة.

إن التنظيم يكتسب قوته من جملة أمور، منها التخطيط الاستراتيجي الذي يمتلكه التنظيم السياسي، وجعل أهدافه ومبادئه مناسبة للواقعية السياسية الجديدة في سوريا، وكذلك وضع أهداف تناسب مختلف المراحل عبر الحفاظ على الوجود المصيري القومي الكُردي في سوريا.

كما تأتي أهمية التنظيم في الأحزاب والكيانات السياسية عبر تنظيم القواعد الاجتماعية وجعلها مهيأة دائمًا لمواجهة التحولات المصيرية المتسارعة المتعلقة بالحفاظ على الوجود ومنع الانصهار والتلاشي، عبر تشجيع ثقافة الحفاظ على التراث والاعتزاز به، واللغة والشخصية الكُردية، وإعادة بناء الفرد الذي يعد اللبنة الأساسية للمجتمع.

إن قوة التنظيم تكتسب من قوة التنظيم السياسي للحزب أو الكيان، من خلال اتخاذ الخطوات الصحيحة ووضع الخطط الاستراتيجية التي تناسب وتلائم وتشبع حاجة الشعب التواق إلى الحرية. لذلك لا بد للتنظيمات السياسية في كُردستان سوريا من الحفاظ على قوتها وعلى الآمال المعقودة عليها، عبر تقوية التنظيم الفكري والثقافي والعقائدي والنفسي لكوادرها.

ولا بد أن تتجلى هذه العملية في جملة من الأمور، أهمها الانتقال من مرحلة تشخيص حالة المظلومية إلى حالة القدرة على البناء والشراكة الحقيقية، والقدرة على قيادة المجتمع، وملاءمة التغيير، والقبول بالواقعية السياسية، والحفاظ على الهوية القومية والوطنية، ومقاومة كافة محاولات إلغاء الهوية الوطنية وإضعاف الانتماء القومي.

كما أنها مطالبة بإعادة دراسة الموقف والتشخيص السليم للتحديات، والابتعاد عن التحليل المزاجي غير الواقعي وغير المناسب للتحديات والصعوبات، والعمل على وضع استراتيجية لفهم الواقع وصنع الرأي العام بما يساعدها على تحقيق أهدافها.

وكل ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا عبر المراجعة المستمرة، وإعادة فرز الكوادر، وتقوية العمل المؤسساتي، وهي أمور يمكن الوصول إليها من خلال قوة التنظيم.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب