كمال بكر
في ثمانينيات القرن الماضي، قرأتُ الرواية الشهيرة «لا تقتل عصفوراً ساخراً» للكاتبة الأمريكية هاربر لي. وربما لم أكن يومها أتوقع أن تبقى نصيحة المحامي أتيكوس فينش لأطفاله عالقة في الذاكرة كل هذه السنوات، ثم تعود اليوم لتطرق باب التفكير من جديد، بعد عقود من التحولات والأزمات التي مرّت بها منطقتنا، وما تركته التجربة السورية خصوصاً من أسئلة لم تجد جميعها إجاباتها بعد.
كان أتيكوس يقول لأطفاله إن قتل العصفور الساخر خطيئة، لأن هذا الطائر لا يؤذي أحداً، ولا يعبث بالحدائق، وإنما يغرد ويصنع الموسيقى التي يستمتع بها الناس.
بقيت هذه الصورة الأدبية في ذاكرتي، لكنها مع مرور الوقت أخذت معنى يتجاوز حدود الرواية. فربما توجد في مجتمعاتنا أيضاً «عصافير ساخرة»؛ أصوات لا تملك سلطة ولا جيوشاً، ولا تستطيع تغيير موازين القوة، لكنها تملك الكلمة والسؤال والقدرة على رؤية ما قد لا يرغب الآخرون في رؤيته.
قد يكون هذا الصوت كاتباً أو فناناً أو ناقداً أو صاحب رأي، وقد يكون مواطناً عادياً يطرح سؤالاً لا يجد له مكاناً في الخطاب السائد. وليس بالضرورة أن يكون دائماً على حق؛ فالنقد قد يخطئ، والسخرية قد تتجاوز أحياناً حدودها، والكلمة نفسها قد تحمل مسؤولية أخلاقية لا يمكن تجاهلها.
لكن، في المقابل، هل يصبح اختلاف الصوت سبباً لإسكاته؟ وهل يتحول نقد الفكرة إلى خصومة مع صاحبها؟
ربما هنا تبدأ المسألة الحقيقية.
فالعصفور لا يتغير لأنه يغرد خارج السرب؛ الذي يتغير هو موقفنا من صوته. وقد يكون الصوت المختلف مزعجاً أحياناً، لكنه قد يكون أيضاً فرصة لمراجعة ما اعتدنا عليه، واكتشاف ما لا نراه ونحن داخل الصورة.
وربما لا تكون المشكلة دائماً في المرآة التي تكشف العيب، بل في قدرتنا على النظر إليها.
ولعل هذا الأمر يكتسب أهمية خاصة ونحن ننظر إلى التجربة السورية بكل ما حملته من قسوة وتحولات. فقد عاشت البلاد زمناً طويلاً في ظل ثقافة لم يكن فيها الاختلاف السياسي أمراً سهلاً، ثم جاءت سنوات الحرب والانقسام والاستقطاب لتضيف طبقات جديدة إلى العلاقة بين المختلفين.
ومع تغير الظروف، قد تتغير أدوات التعامل مع الاختلاف أيضاً. لم يعد إسكات الصوت المختلف بالضرورة مرتبطاً بالقوة المباشرة؛ فقد يكفي أحياناً التشكيك في نواياه، أو وضعه في خانة مسبقة، أو اختزال موقفه في انتمائه، حتى يصبح النقاش حول الفكرة نفسها أمراً ثانوياً.
وهنا يبرز سؤال أكبر من حرية الكاتب أو الفنان أو الناقد: هل تغيرت علاقتنا فعلاً بالاختلاف، أم أننا فقط غيرنا بعض أدوات التعامل معه؟
قد تكون المرحلة المقبلة مختلفة، وربما تحمل معها فرصاً جديدة لبناء حياة سياسية أكثر انفتاحاً. لكن تغير المرحلة وحده لا يكفي. فالمراحل الجديدة تحتاج أيضاً إلى ثقافة سياسية جديدة؛ ثقافة لا ترى في الاختلاف تهديداً، ولا في النقد خروجاً، ولا في السؤال خصومة.
وإلا فقد نحمل معنا إلى المرحلة الجديدة بعضاً من رواسب المرحلة السابقة، حتى وإن تغيرت العناوين والأسماء.
وهذا الأمر لا يخص طرفاً سورياً دون آخر، ولا ثقافة سياسية دون سواها. فالمجتمع الكردي، بحركته السياسية والثقافية وتجاربه المتعددة، هو أيضاً جزء من هذا المشهد، ومعني بهذا النقاش بقدر ما هو معني بمستقبل سوريا وحقوق الكرد وموقعهم فيها.
لقد عرفت الحركة السياسية الكردية، كما عرفت الحياة السياسية السورية عموماً، تعدد الرؤى والاجتهادات والخلافات. وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع حي. لكن ما يستحق التوقف عنده هو: هل تعلمنا بما يكفي أن نختلف حول الفكرة من دون أن يتحول الخلاف إلى موقف من صاحبها؟
وكم مرة أصبح الانتماء إلى هذا الحزب أو ذاك معياراً للحكم على الموقف قبل مناقشة مضمونه؟ وكم مرة وجد صاحب الرأي نفسه مضطراً إلى الدفاع عن انتمائه بدلاً من الدفاع عن فكرته؟
ربما تكون هذه واحدة من المسائل التي تحتاج إلى مراجعة هادئة في ثقافتنا السياسية، السورية والكردية معاً.
فالحزبية، في معناها الطبيعي، يمكن أن تكون وسيلة لتنظيم الاختلاف وتعدد الرؤى. أما حين يتحول الانتماء إلى معيار للحقيقة، فإن الاختلاف يفقد وظيفته، وتصبح السياسة أقرب إلى الاصطفاف منها إلى الحوار.
ومن هنا تبدو قيمة المؤسسة أيضاً. فالمؤسسة القوية ليست التي لا يُسمع داخلها صوت مخالف، وإنما التي تستطيع أن تسمعه وتناقشه، ثم تتخذ قرارها من دون أن تجعل الاختلاف جريمة أو خروجاً على الجماعة.
وقد يكون هذا هو الفارق بين ثقافة سياسية تنمو وثقافة سياسية تعيد إنتاج نفسها: هل نعتبر النقد جزءاً من عملية التصحيح، أم نعتبره تهديداً ينبغي التخلص منه؟
ولعل الأمر يصبح أكثر أهمية ونحن نتحدث عن سوريا الجديدة، وعن الاعتراف بالتعدد، والحقوق الثقافية والسياسية، وعن صيغة دستورية تتسع لمختلف مكونات البلاد.
فإذا كنا نريد دولة تتسع للاختلاف، فعلينا أن نسأل أيضاً عن المجتمع الذي سيعيش داخل هذه الدولة: هل يستطيع أن يتسع للاختلاف داخل مكوناته وأحزابه ومؤسساته، أم أننا سنطالب بمساحة لأنفسنا ثم نضيق بها عندما يستخدمها الآخر؟
فالحقوق لا تكتمل بالنصوص وحدها، والمؤسسات لا تقوى بالأسماء وحدها، والتوافق لا يعني غياب الخلاف. ربما يعني فقط أن نتعلم كيف ندير خلافاتنا من دون أن تتحول إلى قطيعة، وكيف نحمي المشترك من أن تبتلعه الاصطفافات.
وليس المطلوب أن نتفق مع كل ناقد، ولا أن نعجب بكل سخرية، ولا أن نعفي الكاتب أو الفنان أو السياسي من مسؤولية كلماته. فالحرية لها مسؤوليتها، والاختلاف له أخلاقه.
لكن الرد على الخطأ لا يكون دائماً بإسكات الصوت، كما أن حماية المجتمع لا تعني حمايته من كل كلمة تزعجه.
وربما تكون المجتمعات الأكثر ثقة بنفسها هي الأكثر قدرة على الاستماع إلى الأصوات المختلفة؛ لأنها تدرك أن الفكرة القوية لا تحتاج إلى إلغاء من يختلف معها، وأن المؤسسة الواثقة من نفسها تستطيع أن تسمع النقد، وأن المجتمع الذي يريد أن يتقدم يحتاج أحياناً إلى من يسأله عن الطريق الذي يسير فيه.
لذلك، ربما لا يكون الأمر في النهاية متعلقاً بمن معنا ومن ضدنا.
بل ربما يكون الأهم: هل نستطيع أن نبني مساحة يكون فيها الاختلاف جزءاً من حياتنا السياسية، لا سبباً للخوف منها؟
فربما لا نحتاج دائماً إلى أن نتفق مع العصفور الذي يغرد خارج السرب، ولا أن يعجبنا صوته، لكننا نحتاج إلى أن نترك له مساحة ليغرد.
فهل نريد فعلاً أن نبني مجتمعاً لا يسمع إلا الأصوات التي تشبهه، أم مجتمعاً يستطيع أن يحتمل حتى العصفور الذي يغرد خارج السرب؟
بون : ١٦ـ٩ـ٢٠٢٦



