مقالات

حلب والرقة والحسكة… جغرافيا كوردية تاريخية وحق مشروع في إدارة شؤونها

عبد القادر محو زاده 
عندما نتحدث عن مستقبل سوريا، لا يمكن أن نتجاهل تاريخها وجغرافيتها وتركيبتها القومية والثقافية، ولا يجوز أن نتعامل مع الحدود الإدارية التي رسمتها الحكومات والاتفاقيات السياسية خلال القرن الماضي وكأنها تلغي الحقائق التاريخية والاجتماعية للشعوب والمكونات التي عاشت على هذه الأرض.
وفي هذا السياق، تبرز محافظات حلب والرقة والحسكة باعتبارها مناطق ذات حضور كوردي تاريخي وعميق، إلى جانب وجود عربي وتركماني وسرياني وآشوري وكلداني وأرمني وشركسي ومكونات أخرى. وهذا التنوع ليس ظاهرة طارئة، بل هو جزء من تاريخ المنطقة وتركيبتها الاجتماعية، ولذلك فإن أي مشروع لبناء سوريا جديدة لا بد أن ينطلق من الاعتراف بهذا الواقع، لا من محاولة إنكاره أو إعادة إنتاج سياسات الماضي.
فالوجود الكوردي في كوردستان  سوريا لم يكن وجوداً عابراً أو حديثاً، بل يمتد على رقعة جغرافية واسعة ومتصلة، من ديريك وقامشلو والحسكة، مروراً بمناطق شمال الرقة، وصولاً إلى دير حافر وتل حاصل وتل عرن وريف حلب، ثم الشهباء وعفرين، ويمتد في سياقه التاريخي نحو المناطق الواقعة في شمال غرب سوريا وصولاً إلى إسكندرون. وهذه الجغرافيا كانت، عبر مراحل تاريخية مختلفة، موطناً لمجموعات كوردية إلى جانب شعوب ومكونات أخرى، قبل أن ترسم الحدود السياسية الحديثة وتعيد تقسيم هذه المناطق.
ومن الخطأ اختزال تاريخ هذه المنطقة في حدود المحافظات الحالية فالجغرافيا الاجتماعية والثقافية أقدم بكثير من هذه الحدود. وما نراه اليوم من تقسيمات إدارية بين حلب والرقة والحسكة وغيرها لا يلغي حقيقة التداخل التاريخي والجغرافي بين هذه المناطق، ولا يلغي كذلك حقيقة وجود قرى وبلدات كوردية أصيلة في مناطق واسعة من كوردستان سوريا ، وصولاً إلى ريف إدلب وشمال حماة وأجزاء من اللاذقية ومناطق أخرى شهدت وجوداً كردياً تاريخياً.
لقد تعرض الوجود الكوردي في سوريا، خلال مراحل مختلفة، لسياسات وإجراءات أدت إلى إضعاف حضوره وتغيير التركيبة السكانية في بعض المناطق، سواء عبر التهجير أو إعادة التوطين أو المشاريع التي هدفت إلى تغيير الطابع الديموغرافي لمناطق ذات أصول كوردية . ويأتي في مقدمة هذه السياسات مشروع الحزام العربي في منطقة الجزيرة، فضلاً عن سياسات أخرى اتبعتها الحكومات السورية المتعاقبة وأثرت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الواقع السكاني والحقوق السياسية والثقافية للكورد.
كما شهدت المنطقة، خلال العهد العثماني وبعده، انتقال مجموعات سكانية مختلفة واستقرارها في مناطق كوردية ، ومن بينها موظفون ومجموعات قدمت من مناطق أخرى، ثم بقي قسم منهم بعد انتهاء الحكم العثماني. وفي مراحل لاحقة، جرت عمليات استيطان ونقل للسكان في ظل سياسات رسمية معروفة، وهو ملف يحتاج إلى دراسة تاريخية دقيقة تعتمد على الوثائق والسجلات والخرائط والإحصاءات، بعيداً عن المبالغة أو التوظيف السياسي.
وهنا يجب أن نكون واضحين في نقطة أساسية إن تحميل المواطنين العرب الذين يعيشون اليوم في هذه المناطق مسؤولية سياسات الحكومات السابقة ليس عدلاً ولا حلا. فالعربي الذي ولد في الحسكة أو الرقة أو حلب وأصبح جزءاً من المجتمع المحلي هو مواطن سوري له حقوقه الكاملة، تماماً كما للكوردي والسرياني والآشوري والتركماني والأرمني وغيرهم. المشكلة ليست في وجود مكون سوري إلى جانب مكون آخر، وإنما في استخدام الدولة أو السلطة لسياسات التغيير الديموغرافي بهدف طمس هوية منطقة أو إضعاف حقوق شعب من الشعوب.
ولذلك، فإن الحديث عن التاريخ الكوردي لهذه المناطق يجب ألا يتحول إلى دعوة لتغيير ديموغرافي جديد أو إلى مشروع إقصاء للعرب أو غيرهم، وإنما يجب أن يكون مدخلاً لتحقيق العدالة التاريخية والسياسية، وإنهاء آثار السياسات التي مورست ضد الكورد، وضمان حق جميع السكان في العيش بكرامة وأمان ومساواة.
وإذا أردنا الوصول إلى الحقيقة بعيداً عن السجالات السياسية، فإن الطريق واضح العودة إلى الوثائق. فهناك السجلات العثمانية، والخرائط والوثائق الفرنسية، وسجلات الانتداب، والإحصاءات السورية، وسجلات الملكية العقارية، وأسماء القرى والبلدات، والدراسات الأكاديمية وشهادات السكان. ومن خلال جمع هذه الوثائق ودراستها بصورة علمية ومحايدة يمكن معرفة تطور التركيبة السكانية لكل منطقة، ومراحل الاستقرار والهجرة والنزوح وإعادة التوطين، بعيداً عن الروايات التي تحاول كل جهة فرضها على التاريخ.
ومن هنا، فإن المطالبة الكوردية لا ينبغي أن تفهم على أنها مطالبة بملكية حصرية لمحافظات أو مناطق على حساب مكونات أخرى، بل هي مطالبة بالاعتراف بأن الكورد مكون أصيل وشعب رئيسي في سوريا، وله حقوق قومية وسياسية وثقافية ولغوية مشروعة، وله الحق في أن يشارك بصورة حقيقية في إدارة المناطق التي يشكل فيها غالبية أو كتلة سكانية كبيرة، من خلال مؤسسات محلية منتخبة ديمقراطياً.
إننا نؤمن بأن الانتخابات الحرة والنزيهة هي الفيصل الحقيقي في معرفة إرادة السكان. فإذا كان الكورد يشكلون غالبية في منطقة معينة، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك على تمثيلهم في المجالس المحلية ومجالس المحافظات والمؤسسات المنتخبة. وإذا كان العرب أو التركمان أو السريان أو أي مكون آخر يشكلون أغلبية في منطقة معينة، فيجب احترام إرادتهم أيضاً. هذه هي الديمقراطية التي نريدها لا إقصاء للأكثرية ولا تهميش للأقلية، بل حقوق متساوية وضمانات دستورية وشراكة حقيقية.
إن الكورد ليسوا ضيوفاً على سوريا، وليسوا جماعة طارئة جاءت إلى هذه البلاد في العقود الأخيرة. إنهم جزء أصيل من تاريخ سوريا والمنطقة، ولهم حضور اجتماعي وثقافي وسياسي واقتصادي متجذر، كما أن لهم إسهاماتهم في تاريخ هذه البلاد وحضارتها. غير أن الحقوق السياسية المعاصرة لا تبنى على التاريخ القديم وحده، وإنما على المواطنة والدستور والديمقراطية وإرادة السكان والعدالة السياسية.
ومن هنا، فإن سوريا الجديدة بحاجة إلى عقد وطني جديد يطوي صفحة الإنكار والتهميش والتعريب والتغيير الديموغرافي، ويؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة ومكوناتها. فسوريا ليست لوناً واحداً، ولا قومية واحدة، ولا ثقافة واحدة، وإنما هي وطن متعدد القوميات والثقافات والأديان والمذاهب، ولا يمكن أن تستقر إلا إذا اعترفت بهذا التنوع وحولته من مصدر للصراع إلى مصدر للقوة.
إن اللامركزية الديمقراطية التي نطالب بها لا تعني تقسيم سوريا، ولا تهدد وحدتها وسيادتها، بل يمكن أن تكون إحدى أهم وسائل الحفاظ على وحدتها، لأنها تمنح السكان القدرة على إدارة شؤونهم المحلية ضمن إطار الدولة السورية، وتحمي خصوصية كل منطقة ومكون، وتمنع عودة الاستبداد المركزي الذي كان أحد أسباب الأزمات التي عاشتها البلاد.
ومن هنا، فإن رسالتنا إلى حكومة دمشق واضحة لا يمكن بناء سوريا الجديدة من دون الكورد، ولا يمكن تحقيق الاستقرار في كوردستان سوريا من خلال إنكار حقوقهم أو تجاهل تاريخهم. المطلوب هو فتح حوار سياسي جدي حول شكل الدولة ونظام الحكم اللامركزية السياسية والاعتراف بحقوق القومية المشروعة والتمثيل السياسي، وصولاً إلى صيغة دستورية تضمن حقوق جميع السوريين.
نحن لا نريد تهجيراً جديداً ولا تغييراً ديموغرافياً مضاداً. نريد سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية سياسية ، تكون فيها المواطنة أساس الحقوق، ويكون الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي أساساً للاستقرار والشراكة الوطنية.
إن حلب والرقة والحسكة ليست مجرد أسماء لمحافظات وحدود إدارية، وإنما هي جزء من جغرافيا تاريخية واجتماعية متداخلة، كان للكورد فيها حضور أصيل ومتجذر إلى جانب المكونات الأخرى. ولذلك فإن إعادة قراءة تاريخ هذه المناطق، والاعتراف بالحقائق الديموغرافية، وفتح الأرشيفات، وإجراء إحصاءات سكانية شفافة ومستقلة، كلها خطوات ضرورية للوصول إلى حل عادل.
وفي النهاية، فإن قضية الكورد في سوريا ليست قضية حدود أو خرائط فحسب، وإنما هي قضية شعب يطالب بالاعتراف بوجوده وحقوقه وهويته وكرامته. والعدالة لا تعني إقصاء أحد، كما أن الاعتراف بحقوق الكورد لا يعني حرمان العرب أو أي مكوّن آخر من حقوقه.
المعادلة التي نطرحها واضحة لا تهجير، لا إقصاء، لا تعريب، لا تكريد، ولا فرض هوية بالقوة بل مواطنة متساوية، وديمقراطية حقيقية، واعتراف بالتاريخ، وإدارة محلية منتخبة، وشراكة سياسية ودستورية.
إن الاعتراف بالوجود الكوردي التاريخي وبحقوق الكورد السياسية والقومية والثقافية، ومنح المناطق التي يشكلون فيها أغلبية حقاً حقيقياً في إدارة شؤونها ضمن إطار سوريا ديمقراطية موحدة، ليس تنازلاً من أحد، وإنما هو جزء من الحل الوطني السوري، وطريق نحو بناء دولة يشعر فيها كل مواطن، كردياً كان أم عربياً أم سريانياً أم آشورياً أم تركمانياً أم أرمنياً، بأنه شريك حقيقي في وطنه ومستقبله.
فسوريا التي تعترف بتاريخ جميع مكوناتها تستطيع أن تبني مستقبلاً مشتركاً، أما سوريا التي تستمر في إنكار مكوناتها وحقوقها، فلن تتمكن من تجاوز أزماتها.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب

امنحوا الأولوية للأهم 

صلاح بدرالدين الى المحللين الكرد السوريين الذين يكتبون بالشأن العام ، ويتصدون لمهمة تقييم الحالة الكردية السورية الراهنة ، ويبحثون عن حلول…