م. عبدالباقي علي
ما يجري في محافظة الحسكة خلال الساعات الأخيرة لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد حادثة قتل منفصلة يمكن أن تمر وتنتهي عند حدود الجاني والضحية. فالتوقيت، وحالة الاحتقان التي أعقبت الجريمة، وعودة ملفات قديمة ومقاطع مصورة مجهولة السياق إلى التداول، كلها عوامل تستوجب قدرًا كبيرًا من الحذر والمسؤولية، خصوصًا في منطقة خارجة لتوها من سنوات طويلة من الحرب والانقسام، وتعيش اليوم مرحلة انتقالية شديدة الحساسية.
مقتل الشاب سامي شيخموس حسو، المعروف بـ«سيبان»، والذي كان من عناصر «قسد» سابقًا ثم أصبح ضمن لواء الحسكة في إطار عملية الدمج، أثار غضبًا واسعًا في عدد من مناطق المحافظة. وقد أفادت قيادة الأمن الداخلي بأن التحقيقات بدأت، وأنها حددت مشتبهًا به رئيسيًا وتواصل ملاحقته تمهيدًا لإحالته إلى القضاء، بينما ربطت مصادر محلية الحادثة بخلفية ثأرية تعود إلى أحداث سابقة.
وهنا يجب أن تكون المسألة واضحة بلا أي التباس: إذا كان لأي شخص أو عائلة أو عشيرة حق، أو كان لديها اتهام يتعلق بدم قُتل صاحبه قبل سنة أو عشر سنوات، فإن مكان هذا الحق هو القضاء، وليس فوهة البندقية ولا سكين الثأر ولا محاكم الأفراد والجماعات.
لا يمكن بناء دولة بينما يستطيع كل شخص أن يتحول في الوقت نفسه إلى مدعٍ وقاضٍ ومنفذ للحكم.
فالحق في التحقيق والاتهام والمحاكمة والعقوبة هو حق حصري لمؤسسات الدولة والقضاء، وإلا تحولت البلاد إلى سلسلة لا تنتهي من الثأر: يقتل شخص بدعوى الانتقام لمقتول سابق، ثم ينتقم أهل المقتول الجديد، ثم تدخل العشائر والعائلات والمكونات في دائرة دم لا يستطيع أحد معرفة أين بدأت ولا أين تنتهي.
وقد ظهرت بالفعل احتجاجات وحالة غضب عقب مقتل سيبان، وسط تحذيرات من تحول المطالبة بالمحاسبة إلى انتقام مضاد، وهو بالضبط السيناريو الذي ينبغي على الجميع منعه قبل أن يصبح خارج السيطرة.
ولكن… لماذا تظهر الملفات القديمة الآن؟
الأمر الأكثر إثارة للأسئلة هو تزامن هذه الأجواء مع إعادة تداول مقطع مصور يُقال إنه يتعلق بثلاثة شبان عرب مفقودين منذ سنوات، ويُزعم أن المقطع يظهر تعرضهم للقتل على يد عناصر مرتبطة بـ«قسد».
حتى لحظة كتابة هذه السطور، لا تتوافر أمامنا أدلة مستقلة كافية تسمح بالجزم بهوية الأشخاص الظاهرين في المقطع، أو بتاريخ تصويره ومكانه، أو الجهة التي صورته، أو حتى التأكد من أن الضحايا الظاهرين فيه هم بالفعل الشبان المفقودون الذين يجري الحديث عنهم.
وهذا لا يعني أن المقطع مزور، كما لا يعني أنه صحيح.
بل يعني شيئًا واحدًا فقط: إنه يحتاج إلى تحقيق.
فالتحقق لا يكون عبر منشور على فيسبوك، ولا عبر التعليقات الغاضبة، ولا عبر صفحات موالية لهذا الطرف أو ذاك. إذا كان الفيديو يشكل دليلًا على جريمة قتل ارتُكبت بحق ثلاثة مواطنين، فإنه يجب أن يصبح فورًا مادة للتحقيق الجنائي: الحصول على النسخة الأصلية، فحص بياناتها الرقمية، تحديد تاريخ ومكان التصوير، التعرف إلى الأشخاص الظاهرين فيها، مقارنة وجوه الضحايا بالمفقودين، والاستماع إلى عائلاتهم والشهود، ثم تحديد المسؤوليات وإحالة المتهمين إلى القضاء.
أما تحويل فيديو غير موثق إلى مادة لإدانة جماعة قومية أو عشيرة أو مكون بأكمله، فهو وصفة جاهزة للفتنة.
والسؤال المشروع: لماذا الآن؟
إذا كان هؤلاء الشبان مفقودين منذ سنوات، وإذا كان المقطع موجودًا منذ مدة، فإن ظهور القصة مجددًا في هذا التوقيت بالذات يطرح سؤالًا مشروعًا لا يجوز تجاهله:
لماذا الآن؟
لماذا يعاد فتح هذا الملف بالتزامن تقريبًا مع جريمة قتل شاب كردي من عناصر القوات المندمجة، وفي لحظة تصاعد فيها الغضب والاحتقان؟
هل هي مصادفة؟
ربما.
هل هناك من يحاول استثمار الجريمتين، القديمة والجديدة، لإشعال مواجهة عربية–كردية؟
هذا احتمال يستحق التحقيق أيضًا.
ولكن لا يجوز القفز من الشك إلى الاتهام. فالتوقيت وحده لا يثبت وجود جهة تدير الأحداث من خلف الستار، لكنه بالتأكيد يستحق المتابعة، ولا سيما إذا تبين أن المقطع كان متاحًا منذ فترة طويلة ثم جرى دفعه فجأة إلى واجهة وسائل التواصل في هذه اللحظة الحساسة.
وقد شهدت الحسكة خلال الفترة الماضية حالات أعيد فيها نشر مقاطع قديمة على أنها توثق أحداثًا جديدة، وهو ما أكدته منصات تحقق مستقلة بشأن مواد مصورة متداولة عن التطورات الأمنية في المحافظة. وهذا يجعل التثبت من مصدر أي فيديو وتاريخه ضرورة لا ترفًا.
الخطر أكبر من جريمة واحدة
المشكلة أن هذه التطورات تأتي في الوقت الذي تمر فيه الحسكة بواحدة من أدق المراحل السياسية والأمنية منذ سنوات.
فخلال الأسابيع الأخيرة تسارعت إجراءات دمج المؤسسات والقوى الأمنية والعسكرية السابقة ضمن مؤسسات الدولة السورية، ودخلت قوات الأمن الداخلي إلى مدينة الحسكة وتسلمت مواقع أمنية في إطار عملية الدمج.
وهذا يعني أن أي انفلات أمني، أو ثأر عشائري، أو تحريض قومي في هذه المرحلة لن تكون نتائجه محصورة بأصحاب الحادثة.
إنه يمكن أن يصيب الاتفاق وعملية الدمج نفسها.
فمن مصلحة من أن يشعر الكردي بأن الدولة لا تستطيع حمايته؟
ومن مصلحة من أن يشعر العربي بأن ملفات أبنائه المفقودين لن يحقق فيها أحد؟
ومن المستفيد إذا أصبح كل مقتل كردي اتهامًا للعرب، وكل ضحية عربية اتهامًا للكرد؟
هنا تحديدًا تبدأ صناعة الحرب الأهلية.
الحرب الأهلية لا تبدأ دائمًا بقرار رسمي أو بهجوم عسكري كبير. أحيانًا تبدأ بجريمة، ثم إشاعة، ثم فيديو، ثم خطاب ثأري، ثم جريمة مضادة، وبعد ذلك يصبح العقلاء عاجزين عن إعادة النار إلى داخل حدودها الأولى.
لا يجوز تحميل العشائر ولا الكرد جرائم الأفراد
ومن الضروري أيضًا رفض التعميم من الجانبين.
إذا ثبت تورط أفراد ينتمون إلى عشيرة البكارة أو غيرها في قتل سيبان، فالمسؤولية تقع على الجناة والمتورطين، وليس على عشرات أو مئات الآلاف من أبناء العشيرة.
وبالمثل، إذا ثبت قضائيًا أن عناصر كانوا ضمن «قسد» ارتكبوا جريمة بحق شبان عرب قبل سنوات، فإن المسؤولية تقع على مرتكبي الجريمة ومن أمر بها أو تستر عليها، ولا تتحول إلى إدانة جماعية لكل كردي أو لكل شخص خدم في تلك القوات.
الدولة تبدأ عندما يصبح الإنسان مسؤولًا عن فعله، لا عن اسمه القومي أو العشائري.
المطلوب اليوم هو الدولة… لا الثأر
أمام السلطات السورية اليوم مسؤولية كبيرة جدًا. لا يكفي تهدئة الشارع بخطابات عامة، بل المطلوب تحقيق شفاف وسريع في مقتل سيبان، واعتقال كل من يثبت تورطه ومحاكمته وفق القانون. وقد أعلنت الجهات الأمنية بالفعل استمرار ملاحقة المشتبه به وإحالته إلى القضاء، وهي خطوة ينبغي أن تستكمل حتى النهاية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي فتح أي ملف موثق يتعلق بالمفقودين الثلاثة أو غيرهم من المفقودين، وفحص الفيديو المتداول فنيًا وقضائيًا بعيدًا عن الاستثمار السياسي والإعلامي.
فإن كان حقيقيًا ويوثق جريمة، فليحاسب مرتكبوها مهما كانت مواقعهم وانتماءاتهم.
وإن كان مزيفًا أو منسوبًا إلى أشخاص وحادثة لا علاقة له بها، فيجب كشف ذلك للرأي العام أيضًا، ومساءلة من يتعمد استخدام مواد مضللة للتحريض وإثارة الفتنة.
سوريا دفعت من دم أبنائها ما يكفي.
والحسكة تحديدًا لا تحتاج إلى معركة جديدة بين العربي والكردي، ولا بين العشيرة والمدينة، ولا بين من كان في «قسد» ومن أصبح اليوم في مؤسسات الدولة.
ما تحتاجه هو قاعدة واحدة يخضع لها الجميع:
من لديه حق فباب القضاء مفتوح أمامه، ومن لديه دليل فليضعه أمام التحقيق، ومن ارتكب جريمة فليحاسب بصفته مجرمًا لا بصفته عربيًا أو كرديًا أو ابن عشيرة معينة.
أما ترك السلاح والثأر والتحريض ومنصات التواصل لتقرر من المذنب ومن البريء، فلن يحمي دمًا ولن يعيد مفقودًا.
بل قد يجعل دم الأمس ذريعة لدم جديد غدًا.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: أن يكون هناك من يريد، عن قصد أو من دون قصد، تحويل جريمة جنائية وملفات قديمة مؤلمة إلى فتيل يضرب السلم الأهلي، ويزعزع عملية الدمج، ويعيد الحسكة وسوريا كلها إلى الدائرة التي يحاول السوريون الخروج منها منذ سنوات.
ولهذا يجب أن يكون الشعار اليوم واضحًا:
لا للثأر، لا للتحريض العربي–الكردي، لا لمحاكم الشارع… نعم للقضاء، نعم للتحقيق الشفاف، ونعم لدولة يكون القانون فيها فوق الجميع.



