مقالات

من اجتثاث إرهاب الإسلام التكفيري إلى تدجينه (1/3)

د. محمود عباس

أمريكا واستراتيجية نقل الجهادية من التنظيم إلى الدولة.

بعد ربع قرن من «الحرب على الإرهاب»، لم تعد الولايات المتحدة تبدو منشغلة باجتثاث الإسلام التكفيري بقدر انشغالها بتدجينه وإعادة توظيفه. فحين أثبتت التجربة أن قتل القائد لا يقتل العقيدة، وأن تدمير التنظيم لا يمنع ولادة تنظيم أشد تطرفًا، تغيّر السؤال الاستراتيجي، لماذا نستنزف الجيوش في مطاردة الجهادي، إذا كان بالإمكان نقله من الخندق إلى القصر، ومن التنظيم إلى الدولة، ثم إخضاعه بالمصالح التي لم يكن يملكها من قبل؟

فالإرهابي الذي لا يملك سوى بندقيته لا يخشى انهيار الاقتصاد ولا العقوبات ولا العزلة الدولية؛ أما حين يصبح حاكمًا، فإنه يحتاج إلى المال والمطارات والبنوك والاستثمارات والاعتراف بالدول التي كان يكفّرها بالأمس.

وهنا تختصر الاستراتيجية كلها في معادلة صادمة: بدل أن تسلبه السلاح، أعطه دولةً يخشى خسارتها.

أفغانستان كانت التجربة الأولى، وسوريا هي النسخة الأكثر جرأة؛ لكن السؤال الذي سيحكم مستقبل هذه المغامرة ليس ما إذا كانت الدولة ستنجح في تدجين الجهادي، بل ما إذا كان الجهادي، بعد أن أصبح دولة، سيعيد تشكيلها على صورته.

أفغانستان كانت الاختبار الأول والأكثر صراحة. أمريكا دخلتها لإسقاط طالبان، ثم فاوضت طالبان، ثم خرجت وعادت طالبان إلى الحكم. ومع أن الحركة بقيت تحت العقوبات الأمريكية، فإن واشنطن نفسها أنشأت تراخيص تسمح بطيف واسع من التعاملات المرتبطة بأفغانستان ومؤسسات الحكم فيها. وكأن الهدف لم يعد إسقاط السلطة العقائدية بقدر ما أصبح احتواء سلوكها ومنعها من العودة إلى الوظيفة التي استدعت الحرب عليها أصلًا. لم تُهزم العقيدة، بل جرى وضعها داخل حدود دولة ومصالح وموارد يمكن الضغط عليها، أو التعايش معها حين تضبط حدودها وسلوكها.

لكن سوريا كانت التجربة الأجرأ والأخطر؛ لأنها لم تُعد إلى الحكم سلطة عقائدية كانت موجودة من قبل، أو سبق أن حكمت البلاد، بل شهدت انتقال قوة خرجت من السلالة التنظيمية للجهادية نفسها إلى مركز الدولة.

والأمر لم يبدأ يوم دخل أحمد الشرع دمشق. ففي تصريح بالغ الدلالة، كشف رئيس الاستخبارات البريطانية السابق ريتشارد مور أن جهاز MI6 كان قد أقام علاقة مع هيئة تحرير الشام قبل إسقاط بشار الأسد بسنة أو سنتين، وأن هذه العلاقة أتاحت لبريطانيا التحرك سريعًا بعد سقوط النظام. الرجل لم يتحدث عن قراءة صحفية أو اتصال طارئ بعد النصر، بل عن علاقة سبقت التحول السياسي نفسه.

من هنا يصعب النظر إلى ما جرى بوصفه سلسلة مصادفات.

لم يتحول أبو محمد الجولاني إلى أحمد الشرع لأن الغرب فوجئ بظهوره فقرر التعامل مع الأمر الواقع. كانت هناك قنوات، واختبارات، وإعادة تقييم، ثم جاءت اللحظة التي أُزيل فيها الحاجز بين «الإرهابي» و«رجل الدولة». وبعدها تحركت العملية بسرعة، رفع التصنيف الإرهابي عن هيئة تحرير الشام، تخفيف منظومة العقوبات، لقاءات مباشرة مع القيادة الأمريكية، ثم استقبال الشرع في البيت الأبيض.

لكن سوريا تختلف عن أفغانستان بعامل حاسم: تركيا.

تركيا لم تدخل هذه الاستراتيجية اقتناعًا فلسفيًا بفكرة تدجين الإسلاميين. فموقفها طوال الحرب السورية لم يكن قائمًا أصلًا على اجتثاث بيئة الإسلام المسلح. أراضيها وحدودها ومطاراتها كانت في السنوات الأولى أحد أهم مسارات تدفق المقاتلين الأجانب إلى سوريا والعراق، ثم أصبحت أنقرة الراعي الإقليمي الأوسع لطيف من التنظيمات والفصائل الإسلامية، وخاصة المتطرفة، وتراكم لديها من النفوذ الاستخباراتي والعسكري والسياسي ما جعل من الصعب إعادة ترتيب الساحة السورية من دونها.

لكن تركيا كانت تريد ثمنًا مختلفًا.

لم تكن ترى في هيئة تحرير الشام الخطر الاستراتيجي الذي كانت تراه في تشكل قوة كوردية منظمة على حدودها. ومشكلتها الكبرى لم تكن أن يتحول إدلب إلى حكم إسلامي، بل أن تتحول مناطق الكورد إلى تجربة سياسية راسخة، وأن تنتقل القوة التي بنتها قسد خلال الحرب على داعش إلى مكتسب دستوري دائم، إدارة ذاتية أوسع، أو لامركزية سياسية، أو نظام فيدرالي داخل سوريا الجديدة.

وهنا، في تقديري، اكتملت الصفقة.

تقبل تركيا إعادة تدوير البيئة الإسلامية المسلحة الراديكالية، داخل الدولة الجديدة، وتضع خبرتها ونفوذها في خدمة ضبطها؛ وفي المقابل لا يسمح الترتيب الجديد بأن تتحول تضحيات الكورد وانتصاراتهم العسكرية إلى كيان سياسي دستوري دائم.

ليس ضروريًا أن تكون هذه الصفقة مكتوبة في وثيقة واحدة. السياسة الكبرى لا تُدار دائمًا بهذه السذاجة. نتائجها تظهر في تلاقي المصالح، أنقرة كانت الأكثر رفضًا لأي صيغة لامركزية تطالب بها القوى الكوردية، بينما انتقلت واشنطن تدريجيًا من الشراكة العسكرية الوثيقة مع قسد إلى دعم اندماجها في الدولة السورية الجديدة. وعندما سعى الكورد بعد سقوط الأسد إلى تثبيت نظام فيدرالي أو لامركزي يضمن الإدارة المحلية وقوات أمنية خاصة، أعلنت تركيا رفضها المباشر لهذه الصيغة.

ثم تحولت النظرية إلى واقع أشد قسوة.

ففي مطلع 2026، تغير الموقف الأمريكي تجاه التوازن بين دمشق وقسد بصورة واضحة. دعمت واشنطن مسار إعادة المناطق إلى سيطرة الدولة والاندماج العسكري، وأعلن مبعوثها أن أمريكا لا تسعى إلى إبقاء كيان سياسي كوردي مستقل، بينما كانت دمشق تتقدم على الأرض وتضغط لإنهاء البنية العسكرية المستقلة لقسد. وبعد أشهر رحبت تركيا رسميًا بحل قسد بوصفه خطوة نحو (وحدة سوريا).

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

8/9/2026 م

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب

امنحوا الأولوية للأهم 

صلاح بدرالدين الى المحللين الكرد السوريين الذين يكتبون بالشأن العام ، ويتصدون لمهمة تقييم الحالة الكردية السورية الراهنة ، ويبحثون عن حلول…