مقالات

مقتل سامي شيخموس حسو ( الملقب ب”سيبان”)… ثأر عشائري أم إختبار للعدالة في مرحلة الاندماج؟

مزكين حاجو 

 

في 10 أيلول 2026، اختُطف سامي شيخمو حسو، المعروف بلقب «سيبان»، وهو مقاتل سابق في قوات سوريا الديمقراطية (قسد) انضم لاحقاً إلى لواء الحسكة ضمن عملية الدمج مع مؤسسات الدولة السورية. 

عُثر على جثته مصابة بطلقات نارية متعددة قرب قرية الحلو في ريف سري كانيه بمحافظة الحسكة. أثارت الحادثة موجة احتجاجات واسعة في مدن الحسكة وقامشلو وعامودي والدربيسية وكوباني. وتحولت بعض الوقفات إلى أعمال شغب واعتداءات على قوى الأمن، مع استنفار أمني، وتطورات لاحقة في سجن كوباني اللتي أدت إلى سقوط قتلى ومصابين.

 

خلفية الحادثة: ثأر أم استهداف؟

تشير المصادر المحلية والأمنية إلى أن الحادثة جاءت على خلفية ثأر عشائري. اتُهم سامي حسو بالمشاركة في مقتل شابين من عشيرة البوحسن التابعة لقبيلة البكارة (علاء عوض الموسى وإبراهيم خلف الموسى) قبل نحو عامين عند نقطة تفتيش تابعة لقسد قرب جبل عبد العزيز. (وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تلك الحادثة السابقة). 

استدرجت مجموعة الضحية، اختطفته، وصوّرته قبل قتله. أعلنت قوى الأمن الداخلي تحديد هوية المشتبه الرئيسي واعتقال عدد من المتورطين، مع استمرار الملاحقة. في المقابل، أصدرت بعض الجهات بياناً يصف الجريمة بأنها تحمل طابعاً يستهدف الشعب الكردي تحديداً، وليست حادثة فردية معزولة، ودعا إلى تحقيق شفاف يتناول احتمال الدافع العرقي، محذراً الحكومة الانتقالية من «غض النظر» الذي قد يعيد إحياء الشعور بالغبن والعزلة. 

هذا الخطاب يعكس مخاوف كردية متراكمة من سياسات تهميش تاريخية، ومن أن الجرائم ضد أبناء المكون الكردي تُعامل أحياناً كـ«خلافات فردية» أو «ثارات عشائرية» دون محاسبة كافية.

 

هل تُستر الجرائم بحق الكورد تحت السجادة؟ وهل سيبان آخر الضحايا؟

السؤال مشروع في سياق تاريخي طويل من التهميش والعنف الذي طال الكرد في سوريا، سواء تحت النظام السابق أو خلال سنوات الحرب. هناك حالات سابقة وُصفت بانتهاكات أو استهدافات لم تُحاسب بشكل كامل، مما غذّى شعوراً لدى قطاعات كردية بأن العدالة انتقائية. غير أن اختزال كل حادثة في «استهداف عرقي» قد يُبسط واقعاً معقداً: الجزيرة السورية مليئة بالثارات العشائرية والقبلية التي سبقت الحرب وتفاقمت خلالها، وشملت أغلبية المكونات على حد سواء. 

الحادثة الحالية تحمل عناصر ثأر واضحة (اتهامات سابقة بمقتل شابين عرب) لكنها تحدث في لحظة حساسة تجعلها قابلة للتسييس السريع.

هل هو «الضحية الأخيره»؟ التاريخ يقول لا. طالما بقيت آليات العدالة ضعيفة، والذاكرة الجماعية مثقلة بالدم، والاندماج غير مكتمل، ستتكرر حوادث مشابهة. الثأر الخاص يحل محل الدولة عندما تفشل الدولة في فرض هيبتها وحيادها. إذا لم تُحاسب الجناة بسرعة وشفافية، وإذا لم تُعالج جذور التوترات (من حواجز سابقة وانتهاكات متبادلة وتهجير ووو)، فستظل مثل هذه الجرائم وقوداً لفتنة محتملة.

 

دور الحكومة الانتقالية في الوقت الحساس بين الكورد والعرب

جاءت الحادثة بعد الإعلان عن حل قسد كقوة مستقلة (آب 2026) واستكمال مسار الدمج المنبثق عن اتفاق 29 كانون الثاني 2026. هذا الاتفاق نص على وقف إطلاق النار، ودمج القوات والمؤسسات في هياكل الدولة، وتشكيل ألوية (منها لواء الحسكة الذي انضم إليه الضحية) مع ضمانات لحقوق المكونات. 

استجابت السلطات المحلية والقيادات المدمجة بسرعة نسبية: أدان المحافظ نور الدين أحمد الجريمة وشدد على الاحتكام للقانون، ونعى معاون وزير الدفاع سيبان حمو الضحية ودعا إلى ضبط النفس وملاحقة الجناة، وأُعلن عن اعتقالات. هذا يمثل تحسناً مقارنة بمراحل سابقة كان فيها الغياب الأمني أو الازدواجية يسمحان بالثأر الخاص. 

لكن التحدي أكبر: هل تستطيع الهياكل الأمنية والقضائية الجديدة أن تظهر حياداً مطلقاً، وتجري تحقيقاً شفافاً يشمل احتمال الدوافع العرقية أو السياسية، وتمنع تحول الاحتجاجات إلى عنف أوسع (كما حدث في كوباني).

في هذا الوقت الحساس، دور الحكومة الانتقالية حاسم وعليها أن:

– تُثبت أن سيادة القانون فوق العشيرة والانتماء العرقي.

– تُعالج الشكاوى التاريخية بجدية (من الجانبين) عبر آليات مصالحة وعدالة قانونية.

– ترفض الخطابات التحريضية التي تحول الثأر الفردي إلى صراع مكونات.

– تُظهر أن الاندماج ليس مجرد دمج عسكري، بل بناء مواطنة متساوية تحمي الجميع.

الفشل في ذلك سيُضعف الثقة في المسار كله، ويُغذي سرديات العزلة أو الانتقام. النجاح سيحول الحادثة إلى فرصة لتأكيد أن الدولة الجديدة لا تُستَر الجرائم تحت السجادة، سواء كان الضحية كردياً، عربياً أو أي مكون آخر.

مقتل سامي شيخموس حسو (سيبان) ليس مجرد جريمة ثأر، بل اختبار لقدرة سوريا الانتقالية على تجاوز منطق الدم والانتقام. الكورد والعرب وكل المكونات الأخرى  في الجزيرة شركاء في جغرافيا واحدة وتاريخ مشترك من المعاناة. 

العدالة الحقيقية والشفافية السريعة هما السبيلان الوحيدان لكي لا يكون «سيبان» حلقة في سلسلة لا تنتهي. بدون ذلك، ستظل كل جريمة جديدة تُفتح جروحاً قديمة، ولن يكون هناك «ضحية أخيره».

 

السويد، ٢٠٢٦/٩/١٢

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب

الحسكة أمام امتحان صعب

د. مرشد اليوسف شهدت مدينة الحسكة، أمس، حادثة أليمة ومقلقة تمثلت في استدراج شاب كردي، كان قد خدم سابقًا في صفوف قوات…