مقالات

رفض الطلاب الذهاب إلى المدارس في المناطق الكوردية… بين الحق اللغوي وأدوات الضغط

مزكين حاجو

يشهد الشارع الكوردي حالياً حالة احتجاج واسعة مرتبطة بالتعليم واللغة. مع بداية العام الدراسي 2026-2027، رفض مئات الطلاب في الحسكة، القامشلي، ديرك، عفرين وكوباني وبلدات الجزيرة دخول صفوفهم. السبب المباشر قرار وزارة التربية في الحكومة الانتقالية بتحديد تدريس اللغة الكوردية بثلاث حصص أسبوعية فقط، بعد سنوات طويلة كانت فيها الكوردية لغة التدريس الأساسية في كثير من المواد والمناطق.

المطلب الرئيسي الذي يرفعه الطلاب والأهالي والمعلمون واضح: الاعتراف بالكوردية كلغة تعليم أساسية، أو على الأقل الحفاظ على المكتسبات السابقة التي تحققت خلال أكثر من عقد من الإدارة الذاتية، وعدم تحويل اللغة الأم إلى مادة ثانوية محدودة الساعات. 

هذا المشهد يعكس توتراً حقيقياً بين رغبة مركزية في توحيد المناهج الوطنية بعد التغيير السياسي في سوريا، وبين مخاوف كوردية من تراجع مكتسبات لغوية وثقافية اعتُبرت ثمرة نضال طويل.

 

هل استخدام الطلاب أداة ضغط هو الحل؟

الاعتماد على رفض الطلاب، وخاصة في المراحل الدراسية الأولى، يحمل أبعاداً مزدوجة.

من جهة، يُظهر قوة الرفض الشعبي ويمنح المطلب زخماً إعلامياً وسياسياً سريعاً. الطلاب هم الوجه الأبرز للقضية، ورفضهم الدخول إلى المدارس يضع الحكومة أمام معادلة صعبة: إما التراجع عن القرار أو تحمل مسؤولية تعطيل التعليم. هذا النوع من الضغط الشعبي غالباً ما يكون أكثر تأثيراً من البيانات الحزبية المجردة، لأنه ينبع مباشرة من الشارع ويعكس قلقاً حقيقياً على مستقبل الجيل.

لكن الجانب الآخر يستحق التوقف عنده بجدية. الطلاب في المراحل الأولى هم أطفال، واستخدامهم كأداة ضغط سياسية يحمل مخاطر واضحة:

– تعطيل مسارهم التعليمي لأسابيع أو أشهر قد يترك فجوات يصعب تعويضها لاحقاً.

– تحميل أطفال صغار مسؤولية صراع سياسي ولغوي يتجاوز قدرتهم على الاستيعاب الكامل.

– احتمال أن يتحول الرفض إلى أداة حزبية أو فصائلية، فيُستغل الطلاب في معارك أكبر من قضيتهم المباشرة.

– خطر أن يُنظر إلى التحرك على أنه «مقاطعة تعليم» بدل أن يُقرأ كدفاع عن حق لغوي مشروع.

الشارع الكوردي اليوم منقسم في تقييم هذه الطريقة. جزء يرى فيها الشجاعة والتمسك بالهوية، وجزء آخر يحذر من أن تكرار هذا الأسلوب قد يضر بمصلحة الطلاب أنفسهم على المدى الطويل، خاصة إذا طال أمد المقاطعة دون نتائج ملموسة.

 

العمل السياسي الحزبي… هل هو الأجدر؟

في المقابل، يرى كثيرون أن العمل السياسي المنظم والجاد هو الطريق الأكثر استدامة. المطالبة بالاعتراف الرسمي بالكوردية كلغة تعليم، وإدراجها في الدستور أو القوانين الانتقالية، وتأمين مناهج معتمدة وكوادر مؤهلة، كلها قضايا تحتاج إلى تفاوض ومشاركة في اللجان والمؤسسات السياسية، وليس فقط إلى مظاهرات مدرسية.

الأحزاب والقوى الكوردية تملك خبرة وشبكة علاقات وخبرة تفاوضية يمكن أن تحول المطلب الشعبي إلى مكاسب مؤسسية. التفاوض على تفاصيل القرار (عدد الحصص، إمكانية تدريس بعض المواد بالكوردية، ضمان الاعتراف بالشهادات، تدريب المعلمين…) أكثر فعالية من الاكتفاء بالرفض المطلق. كما أن العمل السياسي يفتح الباب أمام تحالفات أوسع مع مكونات أخرى تطالب بحقوق لغوية وثقافية مشابهة.

غير أن العمل الحزبي وحده، إذا بقي بعيداً عن الشارع، يفقد زخمه. 

الجماهير ترى أحياناً أن الأحزاب بطيئة أو منقسمة أو مشغولة بحسابات السلطة أكثر من الدفاع عن الحقوق اليومية. لذا فإن الفصل الحاد بين «الضغط الشعبي» و«العمل السياسي» غير دقيق. الضغط الشعبي يمنح السياسيين قوة تفاوضية، والعمل السياسي يحول الضغط إلى نتائج ملموسة.

السياسة المتداولة في الشارع الكوردي حالياً:

اليوم يدور النقاش في الشارع حول أسئلة جوهرية:

– هل ثلاث حصص كافية بعد 14 عاماً من التعليم بالكوردية؟ الإجابة الشعبية الغالبة: لا.

– هل المطلب يجب أن يكون «الكوردية لغة تدريس كل المواد» أم «حصة أكبر مع ضمان الاعتراف الرسمي»؟ هنا يظهر تباين بين الحد الأقصى الذي يرفع في الاحتجاجات والحد الواقعي الذي يمكن تحقيقه في مرحلة انتقالية.

– من يقرر استراتيجية التحرك: الأهالي والطلاب أم التنظيمات السياسية؟ هناك شعور متزايد بأن القرار يجب أن يبقى في يد المجتمع المحلي، لا أن يُصادر لصالح أجندات حزبية.

– كيف يُحفظ حق الطلاب في التعليم دون التفريط بالحق اللغوي؟ هذا هو السؤال الأصعب الذي لم يُجب عليه بعد بشكل واضح.

السياسة المتداولة حالياً تمزج بين الدفاع العاطفي عن الهوية وبين مخاوف عملية من خسارة جيل دراسي كامل. وهي تعكس أيضاً قلقاً أعمق من أن تُعاد صياغة العلاقة مع الدولة المركزية على حساب المكتسبات السابقة.

المطالبة بحق التعليم باللغة الأم حق مشروع ولا جدال فيه. لكن تحويل الطلاب، خاصة الصغار منهم، إلى أداة الضغط الوحيدة يحمل مخاطر تربوية وإنسانية يجب أخذها بجدية. العمل السياسي الحزبي والمؤسسي هو الطريق الأكثر قدرة على تحويل المطلب إلى ضمانات قانونية ودستورية مستدامة، بشرط أن يبقى مرتبطاً بالشارع ويستمع إليه.

الأفضل أن يتكامل الاثنان: ضغط شعبي مسؤول يحافظ على حق الطلاب في التعلم، وعمل سياسي منظم يحول هذا الضغط إلى مكاسب حقيقية. فاللغة تستحق الدفاع، لكن مستقبل الأطفال أيضاً يستحق الحماية.

Mizgin Hajo

Swêd, 10/9/2026

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب