محمد دلي
تناولتُ قبل عشر سنوات مسيرة الحركة الكردية في سوريا في مقالٍ نشِر في موقع “ولاتي مه” وغيره، تحت عنوان «الاستحقاق النضالي»، الذي تركز منذ عام 1957 حول إثبات الوجود الكردي ومواجهة السياسات الشوفينية لنظام حزب البعث ومشاريعه الممنهجة ضد الشعب الكردي. ورغم محاولات توحيد الصف والتحول إلى فاعل سياسي وعسكري أثناء ما عرف بالثورة السورية، بقيت هذه الحركة مكبلة بالانقسامات الداخلية ومعاناة الارتهان للاستقطابات الكردستانية والإقليمية (الدارجة تحت مقولة المحاور الكردستانية)، مما حال دون بناء مؤسسات مستدامة تصون القرار الكردي المستقل.
أما اليوم، حيث تجري تحولات كبرى وعميقة في الإقليم، وبعد سقوط نظام الاستبداد ودخول البلاد مرحلة انتقالية جديدة شهدت إقراراً — ولو ناقصاً — بالوجود الكردي، عبر دمج قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية في مؤسسات السلطة الانتقالية وإعلان حل هذه القوات رسمياً في 25 آب/أغسطس 2026؛ فإن صفحة تاريخية كاملة من عمر الدولة السورية تُطوى ببطء. يضع هذا التحول الكردَ السوريين أمام ضرورة الانتقال التاريخي من «الاستحقاق النضالي» إلى «الاستحقاق المدني»؛ والمتمثل في إعادة تأسيس الدور الكردي عبر مراجعة نقدية حقيقية شاملة، تحول الحراك الكردي من مجرد حالة دفاع عن وجود ورفعٍ للاضطهاد ومطالبة بالحقوق، إلى شراكة وطنية مضمونة ومستدامة في بناء سوريا الجديدة.
من هذا المنطلق يمكن تحديد التحولات المطلوبة في النقاط التالية:
أولاً: الانتقال من الحزب والحركة السياسية إلى المؤسسة والفعالية المدنية: إذا كانت النخبة أو الجيل المؤسس قد أنشأ حزباً وحركة سياسية غير معترف بها رسمياً، لكنها استمرت واقعياً على الأرض السورية في حاضنتها، وقدمت تضحيات كبيرة وعانت في الوقت نفسه من أخطاء وانقسامات ومشكلات مزمنة (فأصبحت أحزاباً منشقة عن بعضها رغم محاولات التلاقي والتحالف والتوحيد، إضافة لأطر ثقافية ومستقلين)؛ فإن المرحلة الجديدة، رغم غموضها، تحتاج إلى مؤسسات وحدة صف وخطاب، ومراكز بحث، ومؤسسات ثقافية، واتحادات مهنية، وجمعيات، ونخب قانونية ودستورية، ومنصات إعلامية فاعلة، أكثر من حاجتها إلى تنظيمات إضافية. لأن مستقبل الكرد في سوريا لن يُحدد من داخل الأحزاب وحدها أو مما يدور في أروقتها.
ثانياً: الانتقال من الشرعية الكردستانية إلى الشرعية السورية: لقد استند جزء مهم من الانقسامات والتحالفات خلال العقود الماضية على العامل الكردستاني الخارجي وتجاربه، ضمن ما عرف بالمحاور الكردستانية. أما في المرحلة المقبلة، فلا بد من إعادة تأسيس ولا بد من شرعية رسمية؛ فتنبع شرعية أي قوة سياسية كردية سورية من مصالح الكرد السوريين، ومن الواقع السوري، ومن التوافقات الوطنية السورية، وفق قانون أحزاب وحياة سياسية ومدنية منظمة قد تشهد عملية فك وتركيب للأجسام والأطر التنظيمية القائمة. وهذا لا يعني إلغاء البعد القومي الكردي أو التنكر له، بل وضعه في سياق جديد تصبح فيه الأولوية للمهام الوطنية السورية واستحقاقات الدولة والمجتمع، في ظل تراجع الوزن الثقيل للعوامل والتشابكات الكردستانية الخارجية مقارنة بما كان عليه في السابق القريب جداً.
ثالثاً: إعادة بناء نخبة المرحلة الجديدة: تحتاج الحركة والمرحلة إلى خبرات في مجالات الدستور، والإدارة العامة، والاقتصاد، والتعليم، والبحث العلمي، والفكر، والثقافة، والفن، والمهن. فالمجتمعات لا تصنع مستقبلها بالشعارات والبرامج وحدها، بل بالكفاءات والكوادر المختصة والمؤسسات. ومع التنويه بعدم إلغاء العمل الحزبي بالمطلق، فهو حاجة مصيرية مجتمعية كحاجة الجسم لجهازه العصبي، وإنما المقصود هو إلغاء التحزب التقليدي العاجز. لم يعد المطلوب إنتاج مزيد من قادة التعبئة وحشد الأنصار في هياكل متكلسة ذات قيادات متصارعة يختلفون أكثر مما يتفقون، بل إعداد جيل من الكوادر القادرة على إدارة الدولة والمجتمع والإسهام في صياغة مستقبل الشعب والبلاد.
رابعاً: التحول من المطالبة إلى المساهمة والمشاركة في صياغة الحلول: طُرِحت القضية الكردية طوال العقود الماضية بوصفها قضية حقوق ومطالب وانتفاضات أو اعتراضات مشروعة. لكن اليوم، فإن التحدي يتمثل في التحول إلى مرحلة شراكة ومساهمة في صياغة مستقبل البلاد. وهذا يقتضي تقديم رؤى عملية وتحليل واقعي لحال ومستقبل الدولة: اتحادية، لا مركزية، إدارة محلية، تنمية وتعليم، لغة كردية وحقوق ثقافية ودستورية مضمونة… بوصفها قضايا سورية عامة وليست ملفات كردية خاصة أو حصرية.
خامساً: الاستعداد لمختلف السيناريوهات: ما تزال سوريا في بداية مرحلة انتقالية ومخاض بناء أو ولادة جديدة عسيرة، فمن الصعب الجزم بالشكل النهائي للدولة والتأكد من نموذج نظامها السياسي والدستوري: مركزية جديدة؟ أم لا مركزية سياسية أو إدارية؟ أم صيغة مختلطة من النموذجين؟ وفي كل الأحوال والاحتمالات المفتوحة، لا بد من حراك حواري سياسي وثقافي بمخرجات وصيغ حديثة ورؤى مفتوحة.
ختاماً: يتمثل الاستحقاق الحقيقي في بناء قوة سياسية وثقافية ومجتمعية قادرة على العمل والتأثير ضمن مختلف الظروف والتطورات الواقعة والمتوقعة. والخطأ الأكبر كامنٌ، باعتقادي، في بناء استراتيجية كردية على سيناريو واحد كحقيقة نهائية. وفي هذا السياق، تلح ملفات الدستور الجديد، وإقرار وتشكيل الإدارة المحلية، إلى جانب عودة اللاجئين والمهجرين، والتعليم واللغة الكردية، والتمثيل السياسي، وقوننة العمل الحزبي وتنظيمه، وتنشيط المجتمع المدني، وتطوير الإعلام، والمساهمة في إعادة الإعمار… كقضايا أصلية في مركز الاهتمام والأولوية خلال المرحلة الحالية.
قبل سبعين عاماً كان التحدي الأكبر لدى الشعب الكردي هو تأسيس الحركة الكردية في سوريا لمواجهة الإنكار والتهميش والإذابة، وأضحينا اليوم أمام تحدٍّ أكثر تعقيداً: ألا وهو إعادة تأسيس الدور الكردي وتوسيعه في سوريا المتغيرة.
إذا كان الجيل الأول قد قام بالتأسيس، وأكملته الأجيال اللاحقة بالنضال والتضحيات وشوائب العمل وأخطائه، فإن الجيل الحالي — وخاصة نخبته الشابة ونساءه — مطالب ببناء مؤسسات ومعارف، وإنتاج نخب ورؤى قادرة على تحويل الإرث والحضور الكردي إلى شراكة وطنية مستقرة في دولة جديدة لم تتحدد ملامحها النهائية بعد.
بين التأسيس الأول والتأسيس الثاني يكون جوهر الاستحقاق باقياً وواحداً: هو القدرة على فهم وتقييم المرحلة الماضية ومتطلبات المرحلة التاريخية الحالية الفريدة، والاستجابة لها قبل أن يفوتنا قطار التغيرات كما حدث سابقاً، وأن تفرض الوقائع نفسها على الجميع.
27.08.2026