رسمية حسن
على مدى عقود من الزمن الطويل ، فارتبط اسم حزب العمال الكردستاني في الوعي السياسي الكوردي ، بشعارات كبيرة ومصيرية ، مثل تحرير كوردستان ، توحيد أجزائها، مقاومة الاحتلال ، وإنهاء إنكار وجود الشعب الكوردي ، فقد التحق الآلاف من الشباب والشابات الكورد بهذا الطريق ، وضحى الآلاف منهم بحياتهم، فتحملت العوائل الكوردية في مختلف أجزاء كوردستان أثمانا باهظة حيال ذلك ، ولكنها على أساس هدف مشروع قومي واضح .
لكن اليوم ، وبعد مرور عقود من الزمن ، يحق للكوردي أن يتوقف ويسأل بوضوح ،
إلى أين وصل هذا المشروع؟
وما الذي تحقق من تلك الشعارات التي دفعت أجيالا كاملة إلى حمل السلاح والانخراط في صراع عسكري طويل؟
المسألة هنا ليست إنكارا لحجم التضحيات ، ولا تقليلا من معاناة الذين قاتلوا أو فقدوا أبناءهم ، بل على العكس تماما كلما كانت التضحيات أكبر ، كان من حق أصحابها أن يطالبوا بمساءلة سياسية أكبر .
فتلك الدماء ليست أداة للدعاية، والشهداء ليسوا مجرد أرقام أو صور تعلق في المناسبات ، وإنما هي مسؤولية تاريخية ، تفرض السؤال عن النتائج والمصير .
لقد كان حزب العمال الكردستاني، في بداياته ، جزءا من حركة التحرر القومي الكوردي ، وكان مشروع الدولة والتحرر الوطني حاضرا في أدبياته وخطابه السياسي. لكن شهد الحزب وخصوصا منذ بداية الألفية الجديدة، تحولا فكريا وسياسيا مغايرا لشعاراته وأهدافه السابقة ، وانتقل من خطاب التحرر الوطني وإقامة الدولة ، إلى مشروع الإدارة الذاتية والأمة الديمقراطية ، وأخوة الشعوب ، داخل حدود الدول القائمة.
تؤكد الدراسات الأكاديمية بأن هذا التحول ،قد غيّر أهداف هذه الحركة ، من مشروع قومي ، إلى نموذج سياسي يقوم على الحكم المحلي واللامركزية ورفض نموذج الدولة القومية المستقلة.
ومن حق أي حركة سياسية بأن تطور أفكارها ، وتراجع تجربتها، فلا توجد نظرية سياسية مقدسة أو ثابتة إلى الأبد ، لكن المشكلة تبدأ عندما يكون حجم التضحيات قد بني على أهداف معينة، ثم تتغير تلك الأهداف جذريا من دون مراجعة تاريخية صريحة وواضحة أمام الشعب.
فإذا كانت النتيجة النهائية هي المطالبة بالحقوق المدنية والمواطنة المتساوية داخل الدول التي تقسم كوردستان ، فإن السؤال يصبح مشروعا ، إذا فلماذا كان يجب أن تمتد المعارك إلى كل أجزاء كوردستان؟ولماذا دخل الآلاف من الشباب الكورد في سوريا والعراق وإيران في صراعات لا ترتبط مباشرة بواقعهم المحلي؟ ولماذا تحولت أراضي إقليم كوردستان إلى ساحات صراع مفتوحة ، يدفع سكانها المدنيون أثمانا باهظة من الخسائر ، البشرية والمادية ، وتحويل تلك المناطق للعمليات العسكرية وساحة حرب مستمرة؟
هنا لا بد من التمييز بين أمرين ،
من حق أي حركة أن تناضل من أجل مشروعها ،
ولكن من حق الآخرين أيضا أن يرفضوا هذا المشروع أو ينتقدوه. ولذلك فإن الخلاف التاريخي بين الحركة القومية الكوردستانية وبين حزب العمال الكردستاني لم يكن مجرد خلاف شخصي أو حزبي ، بل كان جانب كبير منه خلافا جوهريا ، حول تعريف الهدف النهائي للنضال الكوردي .
فهل هو حق تقرير المصير وإقامة دولة كوردستانية مستقلة؟ أم هو بناء نظام سياسي بديل داخل حدود الدول القائمة؟ وهذا الخلاف ما زال قائما حتى اليوم.
لكن السؤال الأكثر إيلاما يتعلق بالحصيلة السياسية. بعد كل هذه السنوات، هل أصبحت القضية الكوردية أقرب إلى الاستقلال والوحدة؟ أم أن الشعب الكوردي بات أمام مشاريع سياسية متعددة ومتناقضة، يتحدث بعضها عن الدولة، وبعضها عن الفيدرالية، وبعضها عن الحكم الذاتي، وبعضها عن الإدارة المحلية، وبعضها عن الأمة الديمقراطية التي تتجاوز مفهوم الدولة القومية؟ إن تعدد الرؤى ليست مشكلة بحد ذاتها . فالشعوب الديمقراطية تعرف التعدد والاختلاف . لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الرؤى إلى صراعات داخلية، ويصبح الكوردي خصما للكوردي، بينما تستفيد القوى الإقليمية من الانقسام الكوردي وتوظفه لمصالحها.
وهنا يبرز سؤال أكثر صراحة .
هل كانت بعض الصراعات الكوردية الداخلية خلال العقود الماضية ضرورية فعلا؟ وكم من الدماء كان يمكن تجنبها لو وجدت إرادة للحوار وتحديد مناطق النفوذ السياسي والعسكري، والاتفاق على أن الاختلاف في المشروع لا يعني إلغاء الآخر؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لقضية شعب هو أن تتحول التضحيات إلى جزء من دورة سياسية مغلقة شباب يذهبون إلى الجبال، حروب تستمر سنوات، قتلى واعتقالات وتهجير، ثم يعود الجميع إلى طاولة المفاوضات للمطالبة بما كان يمكن أن يكون موضوع نضال سياسي ومدني منذ البداية.
ولا يعني ذلك أن الدولة التركية أو غيرها من الدول التي تتقاسم كوردستان تتحمل مسؤولية أقل؛ فالقمع وإنكار الحقوق الكوردية وسياسات الإقصاء كانت ولا تزال جزءا أساسيا من جذور الصراع.
لكن مسؤولية الدولة لا تلغي مسؤولية الحركات الكوردية عن تقييم استراتيجياتها واختياراتها. فالحركة السياسية التي تطلب من شعبها التضحية لعشرات السنين ، يجب أن تكون مستعدة في النهاية ، للإجابة عن أسئلة بسيطة . ماذا حققنا ؟ وما الذي خسرناه؟ وهل كانت الوسائل متناسبة مع الأهداف؟ والسؤال لا يخص حزب العمال الكردستاني وحده، بل يخص جميع القوى الكوردية في الأجزاء الأربعة. فالمشروع القومي الكوردي لا يمكن أن يبنى بالشعارات وحدها، ولا بالبطولات الرمزية، ولا بتخوين كل من يطرح أسئلة مختلفة. المشروع القومي يحتاج إلى رؤية واقعية، ومؤسسات سياسية، وتحالفات مدروسة، وإدارة عقلانية ، والأهم من ذلك كله ،هو وضوح الهدف أمام الشعب.
إن الشاب الكوردي الذي ضحى بحياته ، كان يجب أن يعرف إلى أين يقوده الطريق. والأم التي فقدت ابنها كان من حقها أن تسأل عن النتيجة السياسية التي تحققت من تلك التضحية. والشعب الكوردي في سوريا وإيران والعراق وتركيا ، من حقه أن يعرف هل كان النضال من أجل تحرير كوردستان وتوحيدها، أم من أجل الوصول في نهاية المطاف إلى صيغة المواطنة وحقوق داخل الدول القائمة؟
إن الانتقال من مشروع إلى مشروع ليس خيانة بالضرورة، لكن عدم الاعتراف بحجم التحول، وعدم تقديم مراجعة تاريخية صادقة، هو المشكلة الحقيقية ، لأن الشعارات التي رفعت في مرحلة معينة لا يمكن أن تبقى مقدسة إذا تغيرت الاستراتيجية والهدف النهائي.
لكن اليوم، وبعد عقود من الصراع، لا تحتاج القضية الكوردية إلى المزيد من الأوهام ، ولا إلى شعارات أكبر من القدرة السياسية على تحقيقها. بل إنها تحتاج إلى الصراحة.
إذا كان مشروع الدولة الكوردية المستقلة ما زال قائما، فيجب أن يقال ذلك بوضوح، وأن توضع له استراتيجية واقعية قابلة للنقاش. وإذا كان المشروع قد تغير إلى المطالبة بالديمقراطية والمواطنة والحكم المحلي داخل الدول القائمة، فيجب أيضا إعلان ذلك بوضوح أمام الشعب ، وترك الشعب بأن يقرر أي مشروع يريد دعمه. أما أن يطلب من الأجيال الجديدة الاستمرار في التضحية تحت شعارات الماضي، بينما تكون الأهداف الحقيقية قد تغيرت، فهذه ليست سياسة مقبولة ، بل إستخفاف بعقول الشعب الكردي العظيم .
السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحا أمام كل القوى السياسية الكوردية هو من أجل ماذا ناضلنا؟ ومن أجل ماذا ضحى عشرات الآلاف بأرواحهم ؟
ومن الذي يملك الحق في تغيير هدف شعب كامل من دون مراجعة شعبية وسياسية صريحة؟ إن احترام دماء الشهداء لا يعني منع النقد، بل يعني أن نكون أكثر شجاعة في طرح الأسئلة. فالتاريخ لا يحاسب فقط من خان القضية ، بل يحاسب أيضا من أخطأ في قراءة الواقع، وأصر على الخطأ، ورفض الاعتراف به.
القضية الكوردية أكبر من أي حزب، وأكبر من أي قائد، وأكبر من أي تنظيم. ولذلك فإن مستقبلها لا يجب أن يبقى رهينة للماضي، بل يجب أن يبدأ بمراجعة شجاعة وصادقة . هل نريد بالفعل مشروعا قوميا كورديا واضحا، أم أننا نريد فقط إدارة الأزمة الكوردية داخل حدود الآخرين؟
هذا هو السؤال الحقيقي الذي يجب أن يجيب عنه جميع الحركات السياسية الكردية ، لأن الشعوب لا يمكن أن تستمر في تقديم التضحيات إلى ما لا نهاية ، من أجل أهداف تتغير من دون أن يستشار أصحاب القضية أنفسهم.