استحضار التاريخ في زمن ترمب و وليِّ الفقيه

قهرمان مرعان آغا *

السياق التاريخي: ( الذاكرة الفارسية بعد الفتح الإسلامي )
يأتي فتح الإمبراطورية الفارسية الساسانية ، في عهد الخليفة الراشد ، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه )(14-23ه/635-644م) ،كما تأتي واقعة إغتياله  من قبل أحد الحشاشين المتأسلمين ، ثأراً على ذهاب مُلكِ كسرى وعاصمته المدائن و دولة فارس ، هذا ما يفيد بأن اختيار الفرس المسلمون ، المذهب الشيعي لاحقاً ، بعد كل ما حصل مع الخليفة الراشد الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، بعدم الرضا عن الخلفاء الذين سبقوه في الحكم أبي بكر و عمر و عثمان ، الذين تم في عهدهم توسيع الفتوحات وتأسيس كيان الدولة الإسلامية و من ثم تأتي دورة الصراع على الحكم ، بالقضاء التام على الدولة الأموية التي كانت قائمة بالوراثة ( إنتقاماً ) و نقل مركز الخلافة من دمشق إلى بغداد في ظل الدولة العباسية .
في موازاة ذلك  مع يحدث الآن من صراع بين ايران/ الجمهورية الإسلامية و بين إسرائيل وأمريكا و مواقف الدول العربية من ممالك وإمارات و دول وجمهوريات ، من هذا الحرب نتيجة قيام ايران بضربها واعتبارها حاضنة لقواعد عسكرية لدول معادية ، حيث تم إنشاء هذه القواعد أصلاً تخوفاً من هيمنة ايران على المنطقة , خاصة بعد سقوط بغداد /عراق صدام حسين /2003 و حرب الخليج الثانية 8/4 /1991 و من ثم تسَّلُم حلفاء ايران من شيعة العراق الحكم ، كما تأتي اتفاقات ابراهام ( إبراهيم عليه السلام ) مع دولة إسرائيل في إطار التوجسات الأمنية لدول الجزيرة العربية (مجلس التعاون الخليجي) .والسؤال هنا ، هل فرح قادة تلك الدول و شعوبها و معهم شعوب سوريا ولبنان و الشعوب الايرانية ايضاً ، عند بدء الهجوم الأخير الأمريكي الإسرائيلي على حكم ولاية الفقيه في ايران في 28/ شباط / 2026  ولماذا اختارت إسرائيل توقيت يوم السبت للتنفيذ ، السبت ( شبات شالوم ) هو يوم عطلة لدى اليهود و في إسرائيل .
الجيوش العربية ، كانت تختار يوم السبت للهجوم على إسرائيل ، لأسباب عدم جاهزية الأفراد في العطلة  بسبب الاجازات و لتوفير عنصر المفاجأة ، حدث ذلك في حرب 6 اكتوبر 1973 وكذلك في هجوم حماس في 7 اكتوبر 2023 ( طوفان الاقصى ) -( السبت الأسود بالنسبة لإسرائيل ) هذا فإن عنصر المفاجأة جاء لصالح إسرائيل هذه المرة ، لأعتقاد القيادة الإيرانية، بعدم وقوع الهجوم في أيام السبت والإطمئنان له ، لهذا كان تحديد الأهداف وخاصة استهداف القيادات الدينية/ السياسية والعسكرية سهلاً ، بدءاً من المرشد وانتهاءاً بأغلبية قيادات الصفوف الأولى .

تطورات الصراع القومي/المذهبي :
جاءت معركة جالديران/ 1514 بين الدولة الصفوية /الشيعية في إيران وبين السلطنة العثمانية / السنية كأول تقسيم لجغرافية كوردستان ، رغم انحياز الشعب الكوردي إلى نصرة مذهبه السني ( أهل السنة والجماعة ) إلا أنَّه بقياً منقسماً بين الجانبين و هو التقسيم الأول لكوردستان في العصر الحديث وما تلاها من تقسيمات أخرى عند إنشاء كل من دولتي سوريا والعراق /1920 ، بفعل الاستعمار الغربي .
عندما إنتهت الحرب العراقية الايرانية (1980-1988) و غزو صدام حسين لدولة الكويت واحتلالها (2أغسطس/ آب 1990) و ما تلاه من تحرير الكويت وطرد وتدمير الجيش العراقي وانتفاضة شعب كوردستان وجنوب العراق ( آذار1991) و فرض حظر جوي شمال خط العرض /36 بموجب قرار مجلس الامن الدولي رقم (٦٨٨) وعملية (توفير الراحة) لشعب كوردستان و بوجود فصائل المعارضة العراقية المسلحة الشيعية التابعة لإيران ، أصبحت الفرص والطرق أكثر سهولة و مفتوحة أمام ايران للتمدد والتدخل وفقاً لتقاطع المصالح مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب الأوروبي و تعززت أكثر بعد الإحتلال الأمريكي لأفغانستان (ت٢ 2001 – 2021) إثر إستهداف تنظيم القاعدة لبرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك (11سبتمبر/ ايلول 2001) و أخذتِ العلاقة ابعاداً أخرى من التعاون الاستخبارتي و المهادنة المعلنة بعد سقوط نظام الدكتاتور صدام حسين  (نيسان 2003) واحتلال العراق ، فتوسعت الجغرافيا أمامها نحو اليابسة والبحر على امتداد الحدود العراقية بإتجاه بلاد الشام والجزيرة العربية و من شط العرب بإتجاه الضفة الأخرى للخليج الفارسي / العربي ، رغم أن العلاقة مع سوريا /حافظ أسد ( 1970- 2025) و لبنان/ خلال الحرب الأهلية (1975-1990) ، تعود إلى زمن سابق بعد سقوط إمبراطورية الشاه محمد رضا بهلوي و عودة الخميني/ الولي الفقيه من باريس و تأسيس الجمهوريةالإسلامية في ايران (شباط/ 1979)

  السياقات الزمنية لحروب ايران مع الجوار الإقليمي :
خاضت ايران في السابق حروب مختلفة لرسم الجغرافية السياسية و المذهبية ، وتقلصت رقعة إمبراطوريتها الفارسية وفقاً لمبدأ القوة ، فالصراع مع السلطنة العثمانية التي انتهت  إثر معاهدة جالديران 1514 ، لم يتغير وبقي رسم الحدود بين الجهتين كما هو ، بعد الحرب العالمية الأولى وتأسيس تركيا الكمالية 1923 وفق اتفاقية/ لوزان على انقاض بنود اتفاق / سيفر 1920 وحرمان شعب كوردستان من خياراته القومية وتأسيس كيانه المستقل ، إسوة بشعوب الشرق الأوسط والأدنى .

انتصار المشروع الايراني في المنطقة (الغلبة للفرس) :
تمكنت إيران خلال مدة زمنية قصيرة (2003- 2023) من تسخير قُدراتها المالية والبشرية لتشكيل قوى عسكرية و سياسية موازية في دول تتواجد فيها موالين مذهبيين لها فيما كان يسمى ب-(محور المقاومة) لتنفيذ مشروعها السياسي التوسعي بالتوافق السلبي ، الغير معلن مع الوجود الأمريكي بثقله العسكري في المنطقة ( العراق العربي – اقليم كوردستان ، سوريا ، لبنان ، غزة ، اليمن ) ، فتمكنت وانطلاقاً من سوريا بدعم المقاومة العراقية السنية من بقايا جيش صدام لمواجهة المشروع الأمريكي ومن ثم  دعم تنظيم القاعدة و ( داعش ) لاحقاً ، لإصباغ صفة الارهاب على أهل السنة والجماعة و كذلك من خلال الحرب بالوكالة ، بعد جولات من المعارك بين حزب الله / اللبناني وإسرائيل ، دفعت إسرائيل إلى الانسحاب إلى الخط الأزرق من الحدود بين الدولتين عام 2000 من جانب واحد ، حيث اعتبره امين عام حزب الله / وكيل ولي الفقيه في لبنان ب- ( النصر الإلهي ) وبقيت التوترات بين الجانبين على ذريعة ( مزارع شبعا ) التي تتنازع فيها جغرافية سوريا و لبنان ، للحفاظ على يدها الطولى في جنوب لبنان و على الحدود الشمالية لدولة اسرائيل ، إلا أنَّ قيام حزب الله بعملية لأسر جنود ، دفعت إسرائيل إلى تدمير الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت وهنا تدخلت الأمم المتحدة ، بموجب قرار مجلس الأمن الدولي ( 1701 ) في( أغسطس/ آب 2006) لدفع إسرائيل للإنسحاب مرة أخرى و في العراق  أصبح نظام إيران،  الوصي الشرعي في حكم البلاد وكذلك في سوريا الداعم الرئيسي و المساهم المباشر في الحرب الأهلية ، لمنع سقوط نظام وريث حافظ الأسد خلال الثورة السورية ( آذار2011- ك١ 2025) و في اليمن بدعم ايران انتصر الحوثيون / أنصار الله ( عودةحكم الإمامة)  وتمت السيطرة على العاصمة صنعاء ( 2014) و أصبحت خاصرة المملكة العربية السعودية،  مصدر توتر وتوجس أمني دفعها لإتخاذ قرار الحرب على صنعاء بعد استيلاء الحوثيين عليها ، دعماً للشرعية التي كانت جزء من نظام  عبد الله صالح ، التي تآمرت على ثورة الشعب اليمني في الحرية والحكم الفيدرالي .
وتمكنت إيران /الجمهورية الإسلامية ( الشيعية)  من إحتواء حركة المقاومة الإسلامية ( السنية) ( حماس) ، في غزة و تسخيرها في صراعها مع إسرائيل ، حيث أعلن رئيس حركة حماس آنذاك / اسماعيل هنية ،  بأنهم يشكلون الجبهة المتقدمة للجمهورية الإسلامية ، وهكذا جاء الهجوم النوعي / طوفان الأقصى  في ( 7 اكتوبر 2023 ) بمثابة اختراق لفكرة التفوق الاسرائيلية وضربة عسكرية ، أمنية ، اجتازت تحصينات حدود أرض كنعان ، من على سطح الأرض و في العمق ( الأنفاق ) وفي السماء (المسيرات) و في البحر ، أصابت إسرائيل بالرجفة الصاعقة و لم تستفيق من الصدمة ، إلا بعد( مسيرة ثلاثة أيام بلياليها  حسب التقويم العبري …؟ ) كأنها عصى { موس عليه السلام ) قد ألقاها في وجه (السامري) يوم (السبت – شبّات شالوم ) لإصطياد حيتان البحر على سواحل غزة .
بعد ذلك اليوم ، الفصل ، الذي يمكن عَدَّهُ من جملة ايام السبي اليهودي في سلسلة المآسي اليهودية ، حدث التحوِّل الكبير الذي سيغير رقعة أرض الميعاد ، بل الشرق الأوسط و الأدنى ، بل العالم . 

الحرب الدينية ( إدعاء المظلومية بالتوازي مع  معادات السامية ) :
ليس صدفة أن يشتد الصراع بين دولتين يصنفان شكلاً وعنواناً في الشرق ، هما إسرائيل( الدولة اليهودية) و الجمهورية الإسلامية في إيران( الدولة الشيعية ) و ليس سراَ ما يستمدانه من قوة عقيدية و ما يستحضرانه من الدين لتقوية الجبهة الداخلية و لتجييش العاطفة و التعبئة السياسية ، بالتوازي مع يعيشه الشعبان في كلا الدولتين من خصوصية ثقافية متنوعة ذات مؤسسات ديمقراطية داخلية في الحكم ( الكنيست…)، في إسرائيل ، أما في إيران فإن تداول السلطة التنفيذية في حكم البلاد وفق مرجعية ولي الفقيه و  ما يتبعه من دوائر( مصلحة النظام – مجلس الشورى… ) هو ناتج محصلة تقوية النفوذ القومي الفارسي في إطار جغرافية بشرية ، متعددة اثنياً و طائفياً ، في ظل عباءة و عمامة ، تشي بأن الشكل والمظهر هو الطاغي للمشهد إلا إن الحقيقة في جوهرها يختلف كلياً فالإلتزام بالتقاليد الفارسية في الحياة اليومية والمناسبات والأعياد القومية جزء من الموروث الثقافي الأصيل بين الفرس على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية والمناطقية ( الحضرية والريفية ) بينما يتم المنع والتضييق على القوميات الإخرى .
خلال فترة الحرب الأولى ، زار رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو  (حائط المبكى اليهودي ) الحائط الغربي لسور المسجد الاقصى المبارك في القدس الشريف وهو ذاته ( حائط البراق الإسلامي) أكثر من ثلاث مرات وهو يردد طقوس تلمودية ويضع أوراقاً بين شقوق الصخور و حوله الكهنة والخامات وهم ينفخون في ابواق الحرب ، ربما في مكان آخر ولا أعلم إنْ كانوا يقرؤون الوصايا العشر في ألواح موسى (عليه السلام ) ، وكانت آخر زيارته إلى الحائط ،  مع وزير  خارجية أمريكا  ماركو روبيو .
في الحين ذاته ، قامت الكنيسة / رجال دين وقساوسة إقامة الصلاة من أجل  الرئيس ( المُخلِّص) ترمب في البيت الأبيض خلال فترة رئاسته الحالية ، كانت آخرها ، مع تصاعد الحرب ضد ايران ، وهم يرددون ( ..ليبارك الرب رئيسنا في هذه الأوقات الصعبة.. بسبب انتصار المسيح ( عليه السلام ) ستكون منتصراً .. يا أبانا نشكرك اليوم ،أنك تخبرنا في( سفر أستير) أنَّ الفرس الإيرانيين كانوا يريدون قتل كل اليهود ،  لكنك أقمت (أستير) لحماية الشعب اليهودي .. يا أبانا أحم الرئيس ونصلي أن تنمحه النصر ،..نشكرك ..كما نصلي من أجل شعب إيران الذين يريدون الحرية.. )-(سفر أستير هو سفر تاريخي في العهد القديم يروي قصة إنقاذ الملكة أستير وابن عمها مردخاي للشعب اليهودي في بلاد فارس من مؤامرة الإبادة التي دبرها الوزير هامان الشرير ، – انظر  النت – حدث هذا في عهد السبي اليهودي في بلاد فارس .
بينما تختلف الطقوس في الجمهورية الإسلامية في إيران
، حيث تمارس بهدوء دون ضجيج ولا عويل، سواد ممزوج بالثقافة الفارسية الملونة ، عن ماهو جاري بين بقية الشيعة في البلاد الأخرى،  حيث اللطم الجارح والصياح الصارخ  وتطيين الأجسام بالوحل و ضرب السلاسل و التغييب الكامل عن الوعي والمسيرات الطويلة ، ليس فقط استذكاراً لمظلومية الإمام الحسين ( رضي الله عنه)  ، بقدر ما هو تكريساً للولاء والبراء  (التولي والتبري عند الشيعة) وهم يستمدون قوتهم من روح الإمام المنتظر و الأئِمة (الإثنا عشر ) و أيات الله العظمى و الولي الفقيه والمرشد الأعلى وبقية المرجعيات . لهذا اطلق الرئيس ترمب وصيته في الإعلام مدوياً في حال اغتياله وهو يتوجس من موتٍ مفاجئٍ ولا نعلم إن كانت قصاصة الورق التي كانت يدسها نتنياهو بين صخور حائط المبكى ، تتضمن وصيته ويبدوا أن جزء من وصية السيد علي خامنئي المرشد الأعلى قد عمل به ، من قبل دائرة مصلحة النظام بالسير بجنازته مروراً ب- كربلاء والنجف والثأر لدمه كما هو الثأر لدم الحسين  .

الصراع الحضاري : ( عنصر التفوق )
هناك قطاعات واسعة و مؤثرة من تيار الإنجيليين في امريكا و كذلك بعض الساسة من الغرب عموماً ، يعتبرون دولة إسرائيل والشعب اليهودي( السامي ) ، شعب الله المختار الذي يتحتم على العالم حمايته لما تعرض له من سبي و هولوكوست ، كما يعتبر الإسرائيليون أنفسهم كذلك و أن بلادهم هي أرض الميعاد و ملتقى نخب العالم و صفوته وإنها واحة الديمقراطية في الشرق الاوسط المتخم بالأنظمة الدكتاتورية و التوتاليتارية و الثيوقراطية ، في ظل تداول السلطة و العيش الرغيد و التحضر المدني الراقي مع الحفاظ على الموروث الديني والثقافي ويجتازون دائماً اختبارات قطع مراحل التطور الإداري و الاقتصادي والسياسي والعسكري بإمتياز و بأضعاف اقرانهم في المنطقة ، لهذا فإن عنصر التفوق هو الملازم لهم  ،  مقارنة مع بقية الدول العربية والإسلامية ،  التي تنعدم فيها الحريات و تجابه الأنظمة الحاكمة شعوبها بالإستبداد و الفساد ،خاصة دول المشرق والمغرب العربي ، تجلت الصورة أكثر وضوحاً ما حصل خلال سنوات من ما يسمى بثورات (الربيع العربي) من قتل ودمار وتهجير و العودة لحكم العسكر ، لهذا فإن الحضارة الفارسية وسياسات نظام ولي الفقيه في إيران منذ زمن الإمام المؤسس الخميني تعادي دولة إسرائيل،  فعلى سبيل المثال عمل النظام الجديد بعد تسلمه الحكم و فرار الشاه محمد رضا بهلوي في شباط / 1979  إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة إسرائيل و سحب القوة الايرانية من قوات الطوارئ الدولية في الجانب الاسرائيلي من خط وقف النار في الجولان السوري ، وتخللت العلاقة حسب المصادر الإعلامية خلال الحرب العراقية الايرانية ، بصفقات أسلحة غربية ، لتبادل المنفعة في ظل توجس وتصاعد الخطاب العدائي من الطرفين ،
لهذا جاء الاتفاق النووي الذي أبرمه الأمريكان في فترة الرئيس أوباما المهادن للسياسات الإيرانية في المنطقة ، خارج معايير حماية إسرائيل وتفوقها العسكري ، بل حدا بالنظام الإيراني التموضع العسكري عل خطوط التماس مع حدود إسرائيل عن طريق وكلائها الأشد تطرفاً سواء حزب الله في لبنان أو حماس في غزة ، حتى حصلت الكارثة الكبرى بالنسبة لإسرائيل في هجوم 7 / اكتوبر/2023  و أصبحت مصير دولة  إسرائيل محل تهديد مصيري  ، لم يسبق أن طالت العمليات العسكرية،  خلال كل الحروب وجودها في العمق و أن تصاب دولة إسرائيل بالصدمة والإختراق الداخلي و لهذا كانت استعادة المبادرة سريعة من الجانب الأمريكي والغربي بدعم حكومة إسرائيل بالأسلحة لإجتياح غزة و تدميرها والقضاء على حماس وكذلك ما لحقها من تدمير جنوب لبنان والقضاء على حزب الله من خلال قتل زعيمهم  و معظم قياداتهم ، أما بالنسبة لإيران / نظام الجمهورية الإسلامية ، بدأ العد التنازلي في فترة الرئيس ترامب الأولى من خلال إلغاء الاتفاق النووي و قتل قاسم سليماني وتلاه من الحرب الأخيرة من قتل المرشد الأعلى ومعظم قيادات الجيش والحرس الثوري .

الحرب الأخيرة منذ شباط / 2026 : ( التفوق العسكري الردعي – السلاح النووي ) 
ادركت دولة إسرائيل أخيراً ، أنَّ توسيع مجالها  الحيوي ، بعد عملية طوفان الأقصى  ، أمر حتمي ، يتوقف عليه وجود الدولة ذاتها  و يتمثل في محورين دائريين، الأول – المحور الجيوسياسي ، فيما يتعلق بتوسيع رقعة الأرض بما يشمل مناطق عازلة منزوعة السلاح بإتجاه الضفة الغربية ، ناهيك عن قطاع غزة و بإتجاه سوريا بما يشمل أجزاء من محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق والسويداء ، مع تعزيز الاستيطان في الجولان المحتل و كذلك جنوب لبنان و القضاء نهائياً على حزب الله . الثاني – تعميم اتفاقات ابراهام للسلام بما يشمل السعودية وباكستان والجزائر و التضييق على هيمنة ايران ، بواسطة الوكلاء والسلطة  الموازية في العراق ، لبنان و فلسطين واليمن .
لهذا يستمر النظام الطائفي في ايران بالعمل على  التوسع المذهبي ( التشيُّع ) لفرض سيطرة ابعد من مجالها الحيوي الحالي بما يتجاوز  جغرافية الإمبراطورية الفارسية التي كانت تشمل سواد العراق العربي وعاصمتها المدائن ، بما فيها المراقد المقدسة ضمن مدينة بغداد و  النجف وكربلاء،  لهذا فإن مرور جنازة المرشد علي خامني على المراقد المقدسة للشيعة في تلك المدن العراقية تتضمن رسائل سياسية أكثر منها شعائر جنائزية  و معيار الولاء يتمثل في خضوع سكان  تلك المناطق بالجملة مسلوبي الإرادة في فخ الرواية الايرانية لمظلومية السيد الحسين ( رضي الله عنه ) ، وهي تعلم علم اليقين إنَّه  قد حدث تحولات سياسية كبرى في المنطقة بسبب سياساتها الكارثية بعد سقوط نظام الأسد الإجرامي في سوريا و كذلك القضاء على حماس في غزة وعلى حزب الله في لبنان .

مضيق هرمز : ( القرصنة البحرية )
يستخدم كمعبر للتحكم والتطويق والسيطرة لتوسيع النفوذ البحري و لقطع إمدادت النفط والغاز للعالم و يعتبر الجزء الأكبر من سياسة القبضة على الدول العربية على ساحل الخليج ، بما فيهما حليفتيها ، قطر وسلطنة عمان التي تشاركها في الساحل الآخر والمجال الاقليمي البحري ، لهذا فإن الموقف الإيراني سيتغير في اللحظة الأخيرة ، إزعاناً لشروط أمريكا بجعل  الممرات الدولية آمنة و عملية المرور تكون سلسة و حق مشاركة الدول الساحلية في وضع قواعد الحماية من القرصنة في زمن الحرب والسلم بالتساوي وفقاً للقانون الدولي لتنظيم البحار والممرات ، إلا إن سياسة ايران الحالية لا تهدف سوى المقايضة في حال إجراء اتفاق أو عدمه للحفاظ عل نظام حكمه من الانهيار ، على حساب شعوب ايران ، في الحرية و السلام والاستقرار . 
فرضية سقوط نظام الجمهورية الإسلامية في إيران،  تحت وجع الحرب :
التيارات الدينية المسيحية الواسعة مع التيار الديني اليهودي يشكلون تحالفاً مالياً وسياسياً ، مؤثراً في الولايات المتحدة الأمريكية ويشكلون اللوبي الاسرائيلي الأقوى في العالم و يعتبرون جزءاً من الكيان العميق لإدارة الاقتصاد و سياسات الحكم والسيطرة في هذا العالم ، لهذا فإن الخيار الأكثر وضوحاً و تأكيداً ، هو استبعاد تغيير النظام المذهبي الشيعي في إيران بالقوة ، للحفاظ على التوازن الردعي مع المذهب السني والذي يشكل الغالبية العظمى من المسلمين في العالم وإبقاء الصراع بين الطرفين على الشكل والتحريف ، بعيداً عن جوهر الدين الحنيف ، لكن في كل الأحوال يجب التيقن أن دورة حكم الاستبداد له نهايات مؤلمة والحكمة تقتضي التغيير ، قد يدفع النظام وحرسه و ميليشياته و ما تبقى من أركان حكمه ، إلى الإنتحار على هدى شمشوم ( الجبار) ، كما سبقه أنظمة استبدادية أخرى في المنطقة  ، ويفتح ممراً للحرية على اليابسة لشعوب ايران من التحرر و الاستعباد ، في مقدمتهم شعب كوردستان  .
في 5 آب /أغسطس 2026
* حقوقي كوردي

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في مستنقع الأزمات السياسية والاجتماعية العميقة والعزلة الدولية، وفي خضم الحرب الخارجية لمواجهة الانتفاضة والمجتمع المتفجر، لا يزال النظام الإيراني يلجأ إلى «الإعدام». إن السلطة القضائية للنظام الحاكم في إيران لم ولن تكون مستقلة، بل هي أداة بيد «الحاكم»، وتعلن أن التهم الموجهة لمن يتم إعدامهم هي «الإخلال بالنظام العام» و«أمن البلاد»! إن الشعب الإيراني يقف ضد…

حسن قاسم إلى عامودا… المدينة التي كلما ابتعدنا عنها، اقتربت أكثر من القلب. في كل عودة إلى المدينة الأولى شيء يشبه استعادة الروح. تعود إلى الشوارع التي حفظت خطاك، وإلى الوجوه التي كانت ذات يوم جزءًا من تفاصيل أيامك، فتكتشف أن الزمن، مهما ابتعد، لا يستطيع أن يمحو ما نقشناه في الذاكرة. في زيارتي الأخيرة إلى عامودا، لم أكن أبحث…

عبداللطيف محمدأمين موسى إن الدلائل الجوهرية للاتفاق السعودي وتركي والباكستاني؛ توحي بأنها تُشكل اتفاق دفاعي في العمق الإسلامي الاستراتيجي من أجل الدفاع المشترك، والاستفادة من الطاقة، والخبرة في مجال الدفاع المشترك، والبناء، والتقدم الاقتصادي، والتحول الرقمي في خدمة العمق الإسلامي، وكما تؤكد الحقائق بأن هذا الاتفاق الدفاعي المشترك يشكل ركيزة اساسية في تبني الأفكار والوسائل والخطط الفعالة في مجال مكافحة…

هجار أمين في المشهد السياسي، غالباً ما يكون الصمت أبلغ من الكلام، والفراغ الاستراتيجي لا يدوم طويلاً، حين تُوقع ثلاث دول ذات ثقل نوعي كالسعودية وتركيا وباكستان على اتفاقية دفاع مشترك، ثم يخيم صمت أمريكي-إسرائيلي عميق، فهنا لا نواجه مجرد خبر عابر، بل إعلاناً غير مباشر عن تحول جيوسياسي هائل، إن ما يُستحضر اليوم ليس مجرد “مثلث سني”، بل نواة…