حسن قاسم
إلى عامودا… المدينة التي كلما ابتعدنا عنها، اقتربت أكثر من القلب.
في كل عودة إلى المدينة الأولى شيء يشبه استعادة الروح.
تعود إلى الشوارع التي حفظت خطاك، وإلى الوجوه التي كانت ذات يوم جزءًا من تفاصيل أيامك، فتكتشف أن الزمن، مهما ابتعد، لا يستطيع أن يمحو ما نقشناه في الذاكرة.
في زيارتي الأخيرة إلى عامودا، لم أكن أبحث عن المكان وحده، بل كنت أبحث عن الذين تركوا فيه شيئًا مني، وعن أصدقاء فرقت بيننا الأيام، وعن أحبة أخذهم الموت، وعن آخرين حملتهم عواصف الحياة بعيدًا عن مدينتهم وذكرياتهم.
جلسنا نتحدث، نستعيد أسماء الغائبين، ونضحك أحيانًا على حكايات قديمة، ثم يخيم الصمت فجأة حين يمر اسم أحد الذين لم يعد بإمكانه أن يجلس معنا.
هكذا هي الذاكرة… تفتح لنا أبواب الفرح بيد، وتربت على أكتاف الحزن باليد الأخرى.
لقد فرّقتنا الأيام، وفرقتنا الأحداث والنكبات، وكان الزلزال الذي ضرب سوريا، وما رافقه من خراب وتهجير وشتات، فصلًا آخر من فصول الوجع الذي أصاب الإنسان والمكان معًا.
ومع ذلك، تبقى العودة.
تبقى المدن الأولى ملاذًا للذاكرة، مهما ابتعدنا عنها، ومهما تغيرت ملامحها.
ومن بين الذين سعدت بلقائهم في هذه الزيارة كان الصديق العزيز، الشاعر والكاتب والباحث دلاور زنكي.
دلاور الذي لا يحمل القلم بصفته كاتبًا وباحثًا فحسب، وإنما يحمله أيضًا ابنًا لامرأة تركت اسمها في ذاكرة عامودا، وفي ذاكرة المآسي الكوردية.
إنها السيدة فريدة علي حسكي، الأم التي فقدت ولديها الشهيدين أحمد ومحمد في حريق عامودا، لكنها، في اللحظة التي كان الموت يلتهم فيها كل شيء، لم تفكر في نفسها، وإنما اندفعت لإنقاذ أطفال مدينتها من النار.
أي قلب كان ذلك القلب؟
وأي أم كانت تلك المرأة؟
أن تفقد أبناءك في النار، ثم تمد يديك لإنقاذ أبناء الآخرين، فذلك ليس مجرد موقف عابر؛ إنه فعل إنساني يتجاوز حدود الفرد، ليصبح جزءًا من ذاكرة مدينة بأكملها.
لقد كتبت فريدة علي حسكي اسمها في سجل التضحية، ودخلت تاريخ عامودا من الباب الذي لا يدخل منه إلا أصحاب المواقف التي تعجز السنوات عن محوها.
ولأن الذاكرة أمانة، حمل دلاور هذه الأمانة على عاتقه، فكان كتابه «هديل اليمامة في يوم القيامة» محاولة جادة لتوثيق تلك الكارثة، من خلال شهادات كتّاب وشعراء وأهل علم وأدب، إضافة إلى ما يحمله هو من تفاصيل وذكريات، وهو ابن تلك المرأة البطلة وابن تلك المدينة التي عاشت المأساة بكل تفاصيلها.
وكم هو جميل أن يتحول الألم، بعد سنوات، إلى كتاب.
فالكتاب هنا ليس أوراقًا مصفوفة بين غلافين؛ إنه ذاكرة تحفظ أسماء الراحلين، وشهادة تنقل أصوات الذين عاشوا المأساة، ورسالة إلى الأجيال القادمة تقول لهم: كان هنا أناس أحبوا، وتألموا، وضحوا، ورحلوا، فلا تنسوهم.
ولم يكتفِ دلاور بأن يشاركني ذاكرة مدينته، بل أكرمني بإهدائي مجموعة من كتبه القيمة.
وكانت هديته بالنسبة لي أكبر من الكتب ذاتها.
لقد شعرت أنني تسلمت معه شيئًا من ذاكرة عامودا، شيئًا من تاريخها، شيئًا من وجعها وفرحها، وشيئًا من ذلك الزمن الذي نحاول جميعًا أن ننقذه من النسيان.
فله مني كل الشكر والتقدير على هذا الإهداء الكريم، وعلى جهده في الكتابة والتوثيق، وعلى وفائه لمدينة وأناس يستحقون أن تبقى حكاياتهم حيّة.
وعامودا ليست وحدها في هذا الوجع.
فالمدن والبلدات الكوردية في سوريا حملت، كل واحدة منها، نصيبها من التضحية والفداء، ومن الحكايات التي لم تجد بعد من يرويها كاملة.
مدنٌ تبدو صغيرة على الخرائط، لكنها كبيرة في الذاكرة، كبيرة في عدد أبنائها الذين رحلوا، وفي حجم الأحلام التي حملوها، وفي قدرتها على الصمود رغم كل ما مر بها.
وما زال الكورد يكافحون من أجل أن تُرى قضيتهم كما هي، وأن تُرفع الغشاوة عن أعين العالم، وأن يُعاد النظر في تاريخ طويل من السياسات والاتفاقات التي ساهمت في تمزيق جغرافية شعب، وإلحاق أرضه بأربع دول، حتى وجد أبناؤه أنفسهم، في كثير من الأحيان، غرباء في وطن آبائهم وأجدادهم.
لكن التاريخ لا يُمحى بسهولة.
والذاكرة أكثر عنادًا من الخرائط.
فالخرائط قد تتغير، والحدود قد تُرسم من جديد، والمدن قد تتبدل ملامحها، لكن الإنسان يبقى يحمل وطنه في داخله.
ولهذا، حين عدت إلى عامودا، شعرت أنني لم أعد إلى مدينة فحسب، بل عدت إلى جزء من نفسي.
التقيت بالأحياء، واستحضرت الغائبين، وحملت معي شيئًا من الماضي، وخرجت من المدينة وفي يدي كتب دلاور، وفي قلبي وجوه كثيرة.
وجوه الذين رحلوا.
وجوه الذين ما زالوا يقاومون قسوة الأيام.
ووجه عامودا نفسها، تلك المدينة التي علمتنا أن الإنسان قد يفقد الكثير، لكنه لا ينبغي أن يفقد ذاكرته.
لذلك علينا أن نكتب.
أن نوثق.
أن نحكي.
أن نترك للأجيال القادمة ما يكفي من الشهادات كي تعرف أن وراء كل اسم حكاية، ووراء كل مأساة إنسانًا، ووراء كل مدينة ذاكرة.
فما يكتبه الإنسان بصدق قد يبقى بعد أن يرحل أصحابه.
وما تحفظه الذاكرة قد يكون أحيانًا أقوى من كل ما تحفظه الجدران.
سلام على عامودا، يوم كانت لنا بيتًا، ويوم صارت ذاكرة، ويوم ستبقى في القلب وطنًا لا يغادره الغياب.
وشكرًا للصديق دلاور زنكي، الذي حمل ذاكرة مدينته وقضيتها وقلمَه، وترك لنا في كتبه ما يستحق أن يُقرأ، ويُحفظ، ويُورّث للأجيال