هجار أمين
في المشهد السياسي، غالباً ما يكون الصمت أبلغ من الكلام، والفراغ الاستراتيجي لا يدوم طويلاً، حين تُوقع ثلاث دول ذات ثقل نوعي كالسعودية وتركيا وباكستان على اتفاقية دفاع مشترك، ثم يخيم صمت أمريكي-إسرائيلي عميق، فهنا لا نواجه مجرد خبر عابر، بل إعلاناً غير مباشر عن تحول جيوسياسي هائل، إن ما يُستحضر اليوم ليس مجرد “مثلث سني”، بل نواة لنظام إقليمي جديد، يُعيد تعريف القوة والتوازنات في واحد من أكثر أقاليم العالم اضطراباً.
الصمت الأمريكي-الإسرائيلي ليس موقفاً، بل هو موقفان متناقضان يلتقيان في النتيجة.. واشنطن، المنشغلة بمواجهة الاستدارة الصينية-الروسية في أوكرانيا والمحيطين الهندي والهادئ، تنظر بعين الرضا الحذر إلى حليفين رئيسيين (السعودية وتركيا من داخل الناتو) يمسكان بزمام المبادرة لملء الفراغ الذي تركته في الشرق الأوسط، وبناء سد منيع أمام التمدد الإيراني دون أن تضطر واشنطن لإرسال جندي واحد، إنه “الردع بالوكالة” الذي لطالما حلم به صانع القرار الأمريكي.
أما الصمت الإسرائيلي، فأعتقد أنه أعمق وأكثر تعقيداً، تل أبيب ترى في هذا الحلف سيفاً ذا حدين، في الظاهر، هو تحقيق لأمنيتها الاستراتيجية القصوى، تطويق “الهلال الشيعي” الإيراني بقبضة سنية حديدية تمتد من الرياض مروراً بأنقرة وصولاً لإسلام آباد النووية، لكن في العمق، هناك هاجس وجودي يطل برأسه، إسرائيل التي اعتادت على “تفوقها النوعي” تواجه اليوم نادياً نووياً سنياً (باكستان) يمتلك أحدث تكنولوجيا الطائرات المسيرة (تركيا) وإمكانيات تمويل لا تنضب (السعودية). السؤال الكابوسي في تل أبيب: ماذا لو انحرفت بوصلة هذا الحلف العسكري الجبار، ولو بعد جيل، من “ردع إيران” إلى “تحرير القدس”؟ هذا الصمت ليس تجاهلاً، بل هو رعب استراتيجي من وحش جيوسياسي لا يمكن ترويضه مستقبلًا.
لطالما تحدثت أدبيات السياسة عن “الهلال الشيعي” كحقيقة جيو-ديموغرافية تمتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت، لكن اتفاق اليوم يخلق في مواجهته “مثلثاً سنياً” ليس جغرافياً متصلاً، بل هو مثلث استراتيجي للقوة الصلبة والناعمة، وهو أشد فتكاً من أي هلال، الركن النووي والبشري (باكستان)، إسلام آباد ليست مجرد دولة مسلمة تملك القنبلة، إنها القوة البشرية الهائلة المدربة، والجيش الذي خاض حروباً مريرة، وهي تمنح هذا الحلف مظلة ردع نووية فورية تجعل أي تفكير في مواجهته شبه مستحيل، انضمامها الصريح يمثل قطيعة تاريخية مع سياسة التوازن الحذر بين الرياض وطهران، وهو رسالة بأن العمق الاستراتيجي للعالم السني قد انتقل من مجرد التمويل إلى الردع المطلق، الركن التكنولوجي والصناعي (تركيا)، أنقرة هي العقل الصناعي العسكري للحلف، خبرتها في حلف الناتو، وقدراتها المتقدمة في الطائرات المسيرة (بيرقدار) والحرب الإلكترونية التي أثبتت جدارتها في ميادين ليبيا وسوريا وأوكرانيا، تجعلها غرفة العمليات التكنولوجية لهذا التكتل، هي القادرة على تحويل المال السعودي والقوة البشرية الباكستانية إلى آلة حرب حديثة ومميتة، الركن المالي والروحي (السعودية)، الرياض هي القلب النابض مالياً، وشريك الطاقة العالمي الذي لا يمكن تجاوزه، هي من تملك الإرادة السياسية لقيادة العالم السني، بعد سنوات من القلق الوجودي من التمدد الإيراني، وهي اليوم تنتقل من سياسة الاحتواء إلى سياسة التطويق والهجوم الاستراتيجي عبر هذا الحلف.
قد يظن البعض أن طهران هي الخاسر الوحيد، وهي بلا شك ستجد نفسها في مأزق وجودي غير مسبوق، محاصرة من أفغانستان شرقاً إلى الخليج غرباً، ومن باكستان النووية إلى تركيا الناتية، لكن الخاسرين أكثر من ذلك.
إسرائيل، كما أسلفنا، قد تكون الرابح التكتيكي والخاسر الاستراتيجي على المدى البعيد، أما الهند، الخصم الاستراتيجي لباكستان، فستجد نفسها فجأة أمام “محور سني” يربط باكستان بأقوى دولتين إسلاميتين اقتصاداً وعسكراً، مما ينسف عقوداً من الدبلوماسية الهندية القائمة على عزل باكستان إقليمياً، هذا التحالف قد يعيد رسم ميزان القوى في جنوب آسيا برمته لصالح إسلام آباد.
أما الطرف الأكثر ضرراً، والذي لم يذكره أحد، فهو مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي رعته واشنطن وقادته إسرائيل لسنوات، إن “المثلث” الجديد يعلن، بلغة غير مباشرة، أن زمن الفوضى الخلاقة انتهى، وأن العواصم الكبرى في المنطقة قررت أن ترعى أمنها بنفسها، بمنطق القوة والإرادة المستقلة، وليس بالوكالة عن أحد.
نحن اليوم لا نشهد توقيع اتفاق، بل نحضر ميلاد عصر إقليمي متعدد الأقطاب، نظام قديم كان قائماً على أمن الخليج الفارسي أو المشرق العربي وحده، يفسح المجال لنظام “الأمن الإسلامي-الآسيوي” الممتد من أدريانوبل إلى لاهور. إنها لحظة فارقة، يعلن فيها “مثلث العواصم” أن زمن “الهلال” قد ولى، ليبدأ زمن “المثلث”، حاملاً معه وعود استقرار قاسٍ، وأخطاراً جيوسياسية لا تقل هولًا، العالم مطالب اليوم بأن يقرأ هذا الصمت، لأنه الصمت الذي يسبق العاصفة، أو ربما، يعلن عن مطر استراتيجي طال انتظاره في أرض الشرق الأوسط القاحلة.