صلاح بدرالدين
ليس من الغرابة بمكان حصول مواجهات محدودة في المناطق المختلطة بين افراد وافخاذ ومجموعات من عشائر كردية وعربية هنا وهناك في فترات سابقة لاسباب غير عنصرية تتعلق بالمراعي والأراضي والنفوذ ، وكانت تحصل داخل صفوف العشائر الكردية أيضا وكذلك بين العشائر العربية فيما بينها ، وهناك امثلة كثيرة على ذلك ، ولكن لم يحدث طوال التاريخ الحديث ان اصطدم الكرد والعرب بسوريا في المحافظات المختلطة كقوميتين ، وفي بعض المراحل حاول النظام الحاكم عبر أجهزتها الأمنية اختلاق فتن ذات طابع قومي بين عشائر عربية وكردية منذ عهد المكتب الثاني مرورا بالحقبة التي نجحت فيها لمخابرات العسكرية في العقود الأخيرة باختراق الحركة الكردية ، وتصاعد الدور الأمني في اثارة الفتنة على أساس عنصري بالتزامن مع تنفيذ مخططات ( الإحصاء الاستثنائي ، والحزام العربي ) حيث تضمن تقرير – محمد طلب هلال – بندا بوجوب ضرب العشائر العربية بالكردية ، ولكن المحاولات باءت بالفشل بسبب رفض العشائر وخصوصا ” شمر ، وطي ، والجبور ” ، وتمسكها بصورة عامة بالعيش المشترك العربي الكردي .
ليس هناك أدنى شك في كون متزعمي الموجة العنصرية في تنصيب ” خيم الحرب ” بالحسكة ، والميلبية ، وتل حميس ، وتل كوجر ، ( قيل ان بعضها أزيل ) ، والواقفين من ورائها ، لايتمنون الخير لسوريا الجديدة ، ولهم سوابق إجرامية مع نظام الاستبداد ، وداعش ، ومن غير المستبعد ارتباطهم بأجندة خارجية ، ولكن السؤال الذي لايغيب عن الاذهان هو : لماذا الآن ، وماهي الأسباب والدوافع ؟ ومن المستفيد ؟ .
أولا – أمام استحقاقات حل القضية الكردية السورية بشكل ديموقراطي عادل بعد اسقاط الاستبداد اختار العهد الجديد التصدي لها من خلال ” المحاصصة ” وليس ” المشاركة أو التشاركية ” ، فوزع المناصب والمواقع ، وأقر التعيينات على قاعدة توزيع الحصص على الأطراف الحزبية ، والميليشياوية ، والدينية ، والفئات الاجتماعية خصوصا في محافظتي الحسكة ، وحلب ، ومن غير المستبعد ان العديد من الزعامات العشائرية العربية قد أثارت مشاعر الغبن ، والحرمان امام أنصارها ، وحرضتهم على اثارة القلاقل .
ثانيا – من غير المستبعد ان زعامات عشائرية أعادت الى الذاكرة مناظر استعراض مسلحي – قسد وجماعات ب ك ك الأخرى – جثث القتلى العرب في شوارع عفرين ،وتصرفاتها العبثية في حي الشيخ مقصود بحلب في بدايات الثورة السورية ، مستغلة ذلك في الهاب المشاعر خاصة بعد تعيينات إدارية من تلك الجماعات في مناصب المحافظ ، ومدراء المناطق .
ثالثا – اخفاق التجربة المريرة ، والمدمرة لجماعات – ب ك ك – في تشكيل قوات – قسد – والرهان على العنصر العربي العشائري على ضوء مفهوم – الامة الديموقراطية – واعتبار ذلك بمثابة ( التآخي الكردي العربي ) ، والأصح ان ماحصل كان نوعا من استغلال الظروف المعيشية ، ودفع الرواتب لقاء التطوع ولم يكن مبنيا على اية مبادئ ، ومايجري الان هو نوع من الانتقام .
رابعا – ان تشجيع أحزاب طرفي التضليل ومابينهما ( لحسابات مصلحية ضيقة ) لظاهرة احياء الانتماءات العشائرية الكردية ، وعقد اجتماعاتها في الحسكة كمدينة مختلطة ، لم يكن موفقا بل كان مصدر قلق للكثير من العشائر العربية التي تحذو حذوها الان ولكن بطريقة فجة مختلفة بعيدة عن مبادئ العيش المشترك والاخاء والمصير الواحد .
هناك بين الكرد من يسعى الى المساهمة في انهيار الرابطة القومية والوطنية بين الكرد السوريين ،باحياء ظواهر ماقبل القومية مثل العشائرية ، والمناطقية ، تلك الرابطة التي حافظت على صمود الشعب امام كل المخططات العنصرية ، واستمرار حيوية قضيته طوال عقود ، هؤلاء يستخدمون في سعيهم هوية جديدة مناقضة للهوية القومية ، وثقافة ومفردات ، وعناوين غريبة عن الثقافة القومية الجامعة ، وانتماء بديل للنسيج الكردي وهويته الوطنية السورية .
من السهل جدا وضع اللوم على الآخر ، وإصدار البيانات المزايدة من جانب الأحزاب الكردية – العاطلة عن العمل – والمعرضة يوميا للتآكل والانحسار ، والتشرذم ، والاسهل ان يتم التنصل من المسؤولية وكيل الشتائم واقبح الاوصاف للآخرين ، ولكن اليست مسؤولية تضييع فرص حل القضية الكردية تقع على عاتق من قام بتقزيم القضية الى مسالة تبعية للمحاور الخارجية ، وعرض البنادق للايجار في المزادات الإقليمية ، والانسلاخ من الهوية الوطنية ، وفيما بعد دمج وتعيينات بالوظائف الإدارية ، وتشجيع الانتماءات القبلية والمناطقية ، وزرع العراقيل امام مشروع إعادة بناء الحركة الكردية السورية من خلال المؤتمر الجامع المقترح عقده بالعاصمة لاستعادة الشرعيتين القومية والوطنية واقرار المشروع الكردي للسلام وانتخاب من يمثل الكرد للتحاور مع الإدارة الانتقالية ، واعتبار المرسوم -١٣ – لعام ٢٠٢٦ احد الوثائق الرئيسية في جدول عمل الحوار .