الديمقراطي الكوردستاني.. معادلة الاستمرارية والتأثير

عزالدين ملا

ليست كل الأحزاب السياسية قادرة على البقاء في قلب الأحداث لعقود طويلة، فالتاريخ السياسي مليء بقوى ظهرت بقوة، ثم تراجعت، أو اختفت مع أول أزمة أو تغيُّر في موازين القوى.

أما الأحزاب التي تحافظ على حضورها وتأثيرها عبر الزمن، فإنها تستند عادةً على عناصر لا تتوافر لغيرها، مثل العمق التاريخي والشرعية الجماهيرية والقيادة القادرة على قراءة التحولات والمرونة في إدارة الصراعات وبناء المؤسسات وإقامة العلاقات التي تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية.

 من هذا المنطلق، يمكن فهم المكانة التي يحتلها الحزب الديمقراطي الكوردستاني في الحياة السياسية الكوردستانية والعراقية وحتى الإقليمية والدولية. فمنذ تأسيسه في منتصف القرن الماضي، لم يحافظ الحزب على حضوره لأنه الأقدم بين الأحزاب الكوردية فحسب، بل لأنه استطاع تحويل تاريخه النضالي إلى مشروع سياسي متجدّد، يتفاعل مع المتغيرات، ويطوّر أدواته بما ينسجم مع التحوُّلات التي شهدها العراق والمنطقة.

لقد واجه الحزب الديمقراطي الكوردستاني، خلال مسيرته محطات مصيرية كان من الممكن أن تؤدي إلى تراجع دوره أو إنهاء حضوره السياسي، بدءاً من الحروب والصراعات المتعاقبة مروراً بحملات القمع التي تعرّض لها الشعب الكوردي ووصولاً إلى الأزمات الداخلية والتحديات الإقليمية والدولية. ومع ذلك، لم يقتصر دوره على الصمود، بل تمكّن في كثير من الأحيان من تحويل التحديات إلى فرص وهو ما أسهم في استمراره لاعباً رئيسياً في المعادلة السياسية العراقية.

ويستند هذا الحضور إلى جذور تاريخية عميقة، إذ ارتبط الحزب منذ تأسيسه بالحركة الوطنية الكوردية، وأصبح جزءاً من الوعي الجمعي لشريحة واسعة من أبناء الشعب الكوردي. ولم يقتصر هذا الارتباط على البعد التاريخي، بل تعزّز بحجم التضحيات التي ارتبطت باسمه والدور الذي أداه في الدفاع عن الحقوق القومية للكورد خلال مراحل مختلفة من تاريخ المنطقة الحديث.

إلا أن التاريخ وحده لا يكفي لضمان الاستمرار؛ فهناك أحزاب امتلكت إرثًا سياسياً كبيراً، لكنها فقدت تأثيرها عندما عجزت عن مواكبة المتغيرات. وفي المقابل، أدرك الحزب الديمقراطي الكوردستاني مبكراً أن الشرعية التاريخية تحتاج إلى شرعية سياسية متجدّدة، وأن الحفاظ على المكانة يتطلّب تطوير المؤسسات، وتجديد الخطاب وإدارة العلاقات الداخلية والخارجية وفق منطق المصالح الوطنية والواقعية السياسية.

من هنا، برز الدور القيادي للرئيس مسعود بارزاني الذي استطاع الجمع بين الإرث القومي والوطني الذي أسسه القائد الخالد الملا مصطفى بارزاني ومتطلبات العمل السياسي في الدولة الحديثة. فقد اتّسم نهجُه بالثبات على المبادئ، مقروناً بمرونة في الوسائل وهي معادلة أثبتت أهميتها في بيئة سياسية معقدة ومتغيّرة كالشرق الأوسط.

وتجلّى هذا النهج في إدارة العلاقة مع الحكومة الاتحادية في بغداد، حيث تعامل مع الشراكة الدستورية بوصفها الخيار الأساس متى ما التزم الجميع بأحكام الدستور، وفي الوقت نفسه تمسّك بالدفاع عن الحقوق الدستورية لإقليم كوردستان عندما واجهت تحديات أو خلافات سياسية. كما حافظ على قنوات الحوار مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، انطلاقا من قناعة بأن القضية الكوردية لا يمكن أن تُدار بمنطق العزلة، وإنما بالحضور الفاعل وفهم موازين القوى وبناء الشراكات.

ومن أبرز عوامل قوة الحزب أيضاً نجاحه في بناء شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية. ففي السياسة المعاصرة، لا تُقاس قوة الأحزاب بعدد المقاعد البرلمانية وحدها، بل بقدرتها على بناء الثقة مع القوى المؤثرة والقيام بأدوار سياسية ودبلوماسية تتجاوز حدودها المحلية. وقد منح هذا الحضور إقليم كوردستان مساحة أوسع للحركة في الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية.  

برزت أهمية هذه العلاقات بصورة أوضح خلال الحرب على تنظيم داعش، عندما أصبح إقليم كوردستان شريكاً رئيسياً للتحالف الدولي. ولم يكن ذلك تعاوناً عابراً فرضته ظروف الحرب، بل جاء نتيجة سنوات من التواصل السياسي والعسكري، أسهمت في تعزيز مكانة الإقليم على المستوى الدولي، وأكّدت أهمية الاستقرار الذي شهده مقارنة بمحيطه الإقليمي.

كما شكلت تجربة استفتاء عام 2017 محطة مفصلية في مسيرة الحزب والإقليم. فرغم التعقيدات التي أعقبت الاستفتاء، أظهرت المرحلة اللاحقة قدرة على إعادة بناء قنوات الحوار مع بغداد والمجتمع الدولي والعمل على إعادة تثبيت موقع الإقليم ضمن المعادلة العراقية والإقليمية، وهو ما يعكس أن إدارة الأزمات لا تقلُّ أهميةً عن صناعة الإنجازات، وأن العمل السياسي عملية تراكمية تقوم على مراجعة التجارب والاستفادة منها.

ولا تقلُّ البنية التنظيمية للحزب الديمقراطي الكوردستاني أهمية عن تاريخه السياسي؛ فالتجارب الحزبية التي تنجح في الاستمرار لعقود هي تلك التي تتمكن من بناء مؤسسات تتجاوز الأفراد وتؤسس لعمل منظم قادر على إعداد كوادر وقيادات جديدة تضمن استمرارية المشروع السياسي. وقد أسهم هذا البناء المؤسسي في الحفاظ على تماسك الحزب الديمقراطي الكوردستاني خلال مراحل اتسمت باضطرابات سياسية وأمنية كبيرة في العراق والمنطقة، الأمر الذي عزز قدرته على مواجهة الأزمات والتكيف مع المتغيرات.

في المقابل، تشهد الساحة الكوردستانية تنافساً سياسياً بين قوى متعددة، وهو أمرٌ طبيعيٌ في أيّ نظامٍ ديمقراطي يقوم على التعددية وتداول الأفكار والبرامج. إلا أن المكانة التي يحظى بها أي حزب لا تُبنى بقرارات سياسية أو بحملات إعلامية وإنما تتشكل عبر الزمن من خلال ثقة الناخبين والقدرة على إدارة المؤسسات وتقديم البرامج الواقعية وتحقيق الإنجازات.  

واليوم، يواجه الحزب الديمقراطي الكوردستاني جملة من التحديات التي لا تقل تعقيداً عن تلك التي واجهها في السابق. فالمنطقة تشهد إعادة تشكيل لموازين القوى، في ظل استمرار التوترات الإقليمية والتحولات الجارية في سوريا والتنافس على مصادر الطاقة والممرات التجارية إلى جانب المتغيرات الاقتصادية العالمية. وفي مثل هذه البيئة تصبح الخبرة السياسية والدبلوماسية والقدرة على تحقيق التوازن بين المصالح المختلفة، عناصر أساسية للحفاظ على الاستقرار وصون المكتسبات.

وقد أثبتت التجربة خلال العقود الماضية أن استقرار إقليم كوردستان كان أحد العوامل المؤثرة في استقرار العراق بصورة عامة، وأن أي اختلال في التوازنات داخل الإقليم ينعكس بصورة مباشرة على المشهد العراقي والإقليمي. ومن هنا، فإن الدور الذي يؤديه الحزب الديمقراطي الكوردستاني يتجاوز الإطار الحزبي ليصبح جزءاً من معادلة التوازن السياسي في العراق، بحكم حضوره الشعبي ومشاركته في مؤسسات الدولة وشبكة علاقاته الإقليمية والدولية.

لذا، تكشف تجربة الحزب الديمقراطي الكوردستاني أن استمراره في صدارة المشهد السياسي لم يكن نتاج عامل واحد أو ظرف استثنائي، بل ثمرة تراكم تاريخي وتنظيم مؤسسي وقيادة سياسية ورؤية واقعية قادرة على التكيف مع المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية.

وخلال العقود الماضية استطاع الحزب مستنداً إلى تاريخه النضالي وشرعيته الشعبية، أن يحافظ على مكانته بوصفه أحد أبرز الفاعلين في الحياة السياسية الكوردستانية والعراقية، وأن يسهم في ترسيخ استقرار إقليم كوردستان وتعزيز حضوره في المعادلات الإقليمية والدولية. كما أن النهج الذي تبنّاه الرئيس مسعود بارزاني وهو نهج البارزاني الخالد والقائم على الجمع بين الثبات على المبادئ والعقلانية السياسية والحوار والانفتاح، أسهم في تحويل كوردستان من قضية قومية إلى كيان سياسي ومؤسسي يتمتّع بحضورٍ فاعلٍ، وقدرة على مواجهة التحديات والمشاركة في رسم مستقبل العراق والمنطقة.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ابراهيم برو ما تشهده محافظة الحسكة من حشد لبعض الشخصيات من العشائر العربية، وما يرافق ذلك من تصريحات تحريضية وعنصرية تستهدف الكرد، فضلا عن بعض الخطابات التي تروج لها وسائل الاعلام وصفحات التواصل الاجتماعي، يمثل ظاهرة خطيرة تهدد السلم الاهلي والاستقرار الوطني. ولا يمكن تجاهل مسؤولية النظام البائد، كما لا يمكن تجاهل الانتهاكات التي ارتكبتها قسد وبعض الفصائل العسكرية المحسوبة…

روني علي وقفة .. ما يهمنا في الأحزاب والأطر الكوردية في غرب كوردستان هو مراجعة ماهيتها وكذلك مبررات وجودها والأهداف التي تسعى إليها … ففيما لو وقفت على مثل هكذا نقاط أعتقد سنتمكن من غربلة الواقع السياسي الحزبي وكذلك الارتقاء بالاداء النضالي .. أما غير ذلك سنبقى نعيش دوامة الانشقاقات والانشطارات والانسحابات.. لأنه باختصار حين لا يتمكن أي حزب من…

تتابع نخبة المثقفين الكورد بقلق بالغ التصعيد المتسارع في خطابات التحريض والكراهية والدعوات التي تستهدف أبناء الشعب الكوردي في سوريا، وما يرافقها من محاولات خطيرة لجر العشائر العربية والمكونات الاجتماعية إلى صراعات قومية لا تخدم إلا أعداء سوريا والساعين إلى تمزيق نسيجها المجتمعي. إننا نوجه تحذيرا واضحا وصريحا إلى كل من يسعى إلى التحريض ضد الشعب الكوردي أو استغلال اسم…

د . عبدالحكيم بشار ما يجري في محافظة الحسكة لا ينبغي التعامل معه بسطحية أو اختزاله في تفاصيل آنية، لأن تداعياته تتجاوز حدود المكان والزمان، وتمس جوهر الوحدة الوطنية والسلم الأهلي. فحتى إن لم يحقق التصعيد أهدافه المباشرة، فإنه يخلّف آثارًا لا تقل خطورة عن الحرب نفسها، تتمثل في تعميق الانقسام داخل المجتمع السوري، وزيادة الاحتقان بين مكوناته. قد لا…