د . عبدالحكيم بشار
ما يجري في محافظة الحسكة لا ينبغي التعامل معه بسطحية أو اختزاله في تفاصيل آنية، لأن تداعياته تتجاوز حدود المكان والزمان، وتمس جوهر الوحدة الوطنية والسلم الأهلي. فحتى إن لم يحقق التصعيد أهدافه المباشرة، فإنه يخلّف آثارًا لا تقل خطورة عن الحرب نفسها، تتمثل في تعميق الانقسام داخل المجتمع السوري، وزيادة الاحتقان بين مكوناته.
قد لا يكون استحضار الماضي في كل محطة أمرًا صائبًا، إلا إذا كان الهدف فهم جذور الأزمات واستخلاص الدروس التي تساعد على معالجتها، لا إعادة إنتاجها أو استثمارها في تأجيج الخلافات.
اليوم يقف السوريون أمام خيارين واضحين: إما الانزلاق نحو مزيد من التوتر والانقسام، بما يوفر بيئة خصبة لعدم الاستقرار، وهو ما يعمل عليه أعداء سوريا بكل الوسائل، وإما تغليب لغة العقل والحوار، والانطلاق نحو مصالحة وطنية شاملة تكرس الأمن والاستقرار، وتؤسس لمستقبل يضمن الحقوق المتساوية لجميع السوريين، على اختلاف مكوناتهم وانتماءاتهم.
إن جراح الماضي وآلامه لا يمكن إنكارها أو تجاوزها، لكنها في الوقت نفسه لا ينبغي أن تتحول إلى سبب دائم لتجديد الصراعات. فالطريق إلى التعافي يمر عبر الحكمة، والتروي، والاحتكام إلى مؤسسات الدولة، بما يحقق العدالة، ويحفظ السلم الأهلي، ويعزز الثقة بين أبناء الوطن.
إن سوريا اليوم أحوج ما تكون إلى خيمة تجمع أبناءها حول الحوار، لا إلى خنادق تعمق الانقسام. فبالحوار تُبنى الأوطان، وبالتوافق تُصان وحدتها، أما الصدام فلا يورث إلا مزيدًا من الألم، ويمنح المتربصين بالوطن فرصة لتحقيق ما عجزوا عن تحقيقه بوسائل أخرى