ليست عفرين مجرد مدينة تقع في أقصى شمال غربي كوردستان، بل هي صفحة مضيئة من تاريخ هذه الأرض، وجزء أصيل من الهوية القومية الكوردستانية الممتدة عبر آلاف السنين. فمنذ عصور الحضارات القديمة، مرورًا بممالك الهوريين والميتانيين، كانت هذه المنطقة موطنا لشعوب استوطنت جبالها وسهولها، وتركت بصماتها الحضارية والثقافية على أرضها. وتعاقبت عليها إمبراطوريات ودول عديدة قبل قيام الدولة السورية الحديثة، وقبل الدولة العثمانية، وشهدت مراحل تاريخية مختلفة، ودخول الإسلام، وتحولات سياسية واجتماعية متعاقبة، إلا أن عفرين بقيت محافظة على خصوصيتها الثقافية، ولغتها، وتراثها، وارتباط أهلها بأرضهم جيلا بعد جيل.
وعلى امتداد تاريخها، عُرفت عفرين بأنها مدينة السلام والمحبة والتسامح. فقد احتضنت مختلف مكونات المنطقة، وعاش أهلها بروح التعايش والاحترام المتبادل، ولم تكن يوما أرضا للعدوان أو الكراهية، بل كانت موطنا للزيتون، والعمل، والثقافة، والحياة. ورغم ما تعرضت له عبر التاريخ من غزوات وصراعات، بقي شعبها مؤمنا بأن الاستقرار والسلام هما الطريق لبناء المستقبل، وظل متمسكًا بقيم الأخوة والعيش المشترك.
ولم تكن عفرين يوما مجرد مساحة جغرافية، بل كانت رمزا للصمود والانتماء. فأشجار الزيتون التي تملأ سهولها وجبالها أصبحت عنوانا لعلاقة الإنسان العفريني بأرضه، تلك العلاقة التي لم تستطع الحروب ولا الاحتلالات أن تقتلعها من القلوب.
وفي السنوات الأخيرة، تعرضت عفرين لمرحلة من أصعب المراحل في تاريخها الحديث، حيث شهدت المنطقة معاناة إنسانية كبيرة، واتهامات بوقوع انتهاكات متعددة، شملت أعمال نهب وسلب واستيلاء على الممتلكات، إلى جانب محاولات لإحداث تغييرات ديموغرافية أثرت في النسيج الاجتماعي للمنطقة. كما اضطر آلاف السكان إلى النزوح عن مدينتهم وقراهم، في مشهد ترك آثارا عميقة في حياة أبناء عفرين.
ورغم كل تلك المعاناة، لم يفقد أبناء عفرين إيمانهم بأرضهم وحقهم في العودة إليها. فقد بقيت عفرين حاضرة في وجدان أهلها، وعاد كثير منهم إلى قراهم ومدينتهم بإرادة قوية، مؤكدين أن العلاقة بين الإنسان وأرضه لا يمكن أن تكسر مهما اشتدت الظروف. لقد أثبت أبناء عفرين أن حب الوطن ليس شعارا، بل موقف وصمود وتمسك بالجذور والهوية.
ومع ذلك، لا تزال عفرين تواجه تحديات كبيرة، ويشعر كثير من أبنائها بأنهم يعانون من سياسات تمييز وتهميش في إدارة المنطقة ومؤسساتها ودوائرها، الأمر الذي ينعكس على المشاركة العادلة في إدارة الشأن العام، ويزيد من شعور المواطنين بغياب العدالة والمساواة. إن مستقبل عفرين لا يمكن أن يقوم إلا على احترام حقوق سكانها الأصليين، وصون كرامتهم، وضمان مشاركتهم الكاملة في إدارة مدينتهم، بعيدا عن أي شكل من أشكال التمييز أو الإقصاء.
ستبقى عفرين مدينة كوردستانية حرة في ذاكرة أبنائها، ورمزا للصمود والوفاء للأرض والهوية. وستظل أشجار زيتونها شاهدة على تاريخ عريق، وعلى شعب أحب الحياة والسلام، وتمسك بحقوقه وهويته، مؤمنا بأن العدالة والحرية هما الطريق نحو مستقبل يسوده الأمن والاستقرار والعيش الكريم لجميع أبناء المنطقة.
اللجنة الثقافية والاعلام
نخبة المثقفين الكورد
24 / 7/ 2026