حسن قاسم
قد يشهد المشهد السوري تحولات سياسية كبيرة إذا افترضنا أن سوريا أصبحت جزءاً من المنظومة الغربية بقيادة الولايات المتحدة، وأن الرئيس أحمد الشرع طوى صفحة خطابه الجهادي واتجه نحو البراغماتية السياسية. لكن السؤال الأهم ليس إلى أي محور تنتمي سوريا، بل هل يكفي تبدل التحالفات الخارجية لإنقاذ دولة أنهكتها الحرب والانقسام؟
إن انتقال أي دولة من محور إلى آخر لا يعني تلقائياً انتقالها من الأزمة إلى الاستقرار. فالدول تُبنى بمؤسساتها، ودساتيرها، واقتصادها، وعدالتها، وليس فقط بعلاقاتها الخارجية. وسوريا اليوم تواجه تحديات معقدة ومتداخلة يصعب تجاوزها بمجرد تبدل التحالفات الإقليمية والدولية.
اقتصادياً، لا تزال البلاد تعاني انهياراً واسعاً في البنية الإنتاجية، وتراجعاً في قيمة العملة، وارتفاعاً في نسب الفقر والبطالة، بينما يعيش ملايين السوريين أوضاعاً معيشية قاسية. وحتى الآن لا تظهر مشاريع استراتيجية واضحة لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة أو إطلاق عملية تنمية اقتصادية مستدامة تعيد الثقة للمواطن والمستثمر.
سياسياً، لا يزال بناء الدولة الديمقراطية يواجه عقبات كبيرة. فوجود مؤسسات تمثيلية لا يكفي إذا كانت صلاحياتها محدودة، وإذا بقيت آليات اتخاذ القرار محصورة في دائرة ضيقة. إن أي عملية انتقال سياسي تحتاج إلى مؤسسات مستقلة، وقضاء نزيه، وبرلمان يمتلك صلاحيات رقابية وتشريعية حقيقية، بما يعزز ثقة المواطنين بالدولة. ولا يمكن لدولة أن تستقر إذا بقيت التفاهمات السياسية، وخصوصاً مع الكورد، محصورة في إجراءات تنفيذية أو تفاهمات مؤقتة لا تستند إلى ضمانات دستورية واضحة تكفل الحقوق والحريات لجميع المكونات.
أما على المستوى الاجتماعي، فإن آثار سنوات الحرب ما زالت حاضرة بقوة. فقد عمّقت الصراعات والانقسامات حالة انعدام الثقة بين مكونات المجتمع، وارتفع منسوب خطاب الكراهية والتخوين، بما في ذلك بعض الخطابات العنصرية الصادرة عن أطراف وقوى اجتماعية، الأمر الذي يهدد السلم الأهلي ويجعل المصالحة الوطنية أكثر تعقيداً. كما أن الملفات العالقة، وفي مقدمتها أوضاع الساحل والسويداء، لم تجد بعد حلولاً سياسية مستقرة، وهو ما يبقي احتمالات التوتر قائمة.
ولا يمكن تجاهل استمرار النفوذ الخارجي في الشأن السوري، حيث تتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة على الأرض السورية، بما يعكس حجم التحديات التي تواجه استعادة القرار الوطني المستقل. فاستعادة السيادة لا تتحقق بمجرد الاعتراف الدولي بالحكومة، وإنما ببناء مؤسسات وطنية قوية قادرة على إدارة شؤون البلاد بعيداً عن الإملاءات الخارجية، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.
ولا تقتصر التحديات على الاقتصاد والسياسة والنفوذ الخارجي، بل تمتد إلى البعد الأمني والفكري أيضاً. فإذا كان الرئيس أحمد الشرع قد اختار الانفتاح على الغرب والتخلي عن خطابه الجهادي السابق، فإن هذا التحول قد لا يحظى بقبول جميع التيارات المتشددة أو بعض المقاتلين الأجانب الذين ما زالوا يتبنون أفكاراً عابرة للحدود. وقد تجد السلطة نفسها أمام تحدي احتواء جماعات ترى في أي تسوية سياسية أو انفتاح دولي تراجعاً عن المشروع الذي حملت السلاح من أجله. ومن هنا، فإن نجاح الدولة سيبقى مرهوناً بقدرتها على احتكار السلاح، وإخضاع جميع التشكيلات المسلحة لسلطة القانون، وتجفيف منابع التطرف، لأن بناء الدولة لا يكتمل في ظل وجود قوى مسلحة خارج مؤسساتها الشرعية.
إن بناء سوريا الجديدة يتطلب أكثر من تغيير في التحالفات أو تبدل في الخطاب السياسي؛ إنه يحتاج إلى مشروع وطني جامع يقوم على سيادة القانون، والعدالة الانتقالية، والمصالحة المجتمعية، والتنمية الاقتصادية، والاعتراف بالتعددية القومية والثقافية والدينية التي تميز المجتمع السوري. كما يتطلب شراكة حقيقية بين جميع السوريين، بحيث يشعر كل مكون بأنه شريك في صناعة مستقبل البلاد، لا مجرد طرف يُطلب منه التكيف مع الوقائع المفروضة.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الدعم الخارجي قد يساعد على تجاوز بعض الأزمات، لكنه لا يستطيع أن يبني دولة ما لم تتوافر الإرادة الوطنية والإدارة الرشيدة والمؤسسات القادرة على كسب ثقة المواطنين. فاستقرار سوريا لن يكون ثمرة التحالفات الدولية وحدها، بل نتيجة عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة المواطنة والحقوق المتساوية وسيادة القانون.
وفي الختام، نستعيد كلمات الأديب السوري الراحل سعد الله ونوس: “إننا محكومون بالأمل.” وهي ليست مجرد عبارة أدبية، بل رؤية تؤكد أن الشعوب، مهما اشتدت محنها، قادرة على النهوض عندما تتسلح بالإرادة والحكمة والإيمان بالمستقبل. فالأمل ليس بديلاً عن العمل، وإنما هو القوة التي تدفع الأمم إلى تجاوز مآسيها وصناعة غدٍ أفضل، مهما كانت التضحيات.