حين يتأخر الإصلاح الداخلي تفرض الجغرافيا السياسية مساراتها.

د. مرشد اليوسف
ليس من السهل على المراقب لتاريخ الشرق الأوسط أن يتجاهل حقيقة تتكرر باستمرار عبر العقود، وهي أن المنطقة تبدو وكأنها تعيش صراعاً دائماً بين منطقين متناقضين:
منطق الدولة الحديثة القائمة على المواطنة والمؤسسات والقانون .
ومنطق الدولة التقليدية التي تستمد شرعيتها من القوة والغلبة والولاءات الأولية. وبين هذين المنطقين تتشكل معظم أزمات المنطقة وتحولاتها الكبرى.
لقد شهد العالم خلال القرنين الأخيرين تحولات سياسية وفكرية عميقة نقلت كثيراً من المجتمعات من عصر الإمبراطوريات والعصبيات إلى عصر الدولة الوطنية الحديثة. غير أن أجزاء واسعة من الشرق الأوسط بقيت تعاني صعوبة في إنجاز هذا الانتقال بصورة كاملة. فالدساتير الحديثة أُقرت، والمؤسسات أُنشئت، والانتخابات جرت في بعض البلدان، لكن الثقافة السياسية السائدة ظلت في كثير من الأحيان أسيرة مفاهيم أقدم من الدولة نفسها.
ولهذا لا يزال الخطاب السياسي في بعض أجزاء المنطقة يستحضر روح الصراعات القديمة أكثر مما يستحضر روح الدولة الحديثة. وما زالت ذهنية الغلبة تتقدم أحياناً على مفهوم الشراكة، وتبقى فكرة الانتصار على الخصم أقوى من فكرة التعايش معه داخل وطن واحد. وكأن التاريخ لم يغادر تماماً زمن داحس والغبراء والبسوس والجمل وصفين، بل أعاد إنتاج نفسه بأدوات معاصرة وأسماء جديدة.
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في استحضار التاريخ بوصفه ذاكرة جماعية، وإنما في تحويله إلى منهج لإدارة الحاضر.
فحين تصبح الدولة امتداداً لصراع الهويات بدلاً من أن تكون إطاراً جامعاً لها، يبدأ التصدع بالتسلل إلى بنيتها الداخلية مهما بدت قوية من الخارج. وعندما يشعر جزء من المواطنين بأن الدولة تمثلهم أقل مما تمثل غيرهم، تتراجع الثقة الوطنية وتبدأ الأسئلة الكبرى بالظهور حول العدالة والمشاركة والانتماء.
لقد أثبتت التجارب السياسية الحديثة أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، لأن القوة تستطيع فرض الصمت لكنها لا تستطيع خلق الرضا.
كما أن الإنكار السياسي أو الثقافي أو القومي لا يؤدي إلى اختفاء المشكلات، بل يؤجل انفجارها إلى مرحلة لاحقة تكون فيها أكثر تعقيداً وأشد خطورة.
ومن هنا يمكن فهم جانب كبير من أزمات الشرق الأوسط المعاصر. فالكثير من الدول التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى ورثت حدوداً جديدة ومجتمعات متعددة القوميات والأديان والثقافات. وكان المطلوب منها أن تبني هوية وطنية جامعة تتسع للجميع.
لكن بعض هذه الدول اختارت أحياناً طريق الدمج القسري أو الإنكار أو التهميش بدلاً من الاعتراف بالتنوع وإدارته بصورة عادلة.
والنتيجة أن التوترات بقيت كامنة تحت السطح لعقود طويلة، إلى أن جاءت لحظات تاريخية كشفت هشاشة البنى السياسية القائمة. وعند تلك اللحظات لم تعد الأزمات شأناً داخلياً فحسب، بل تحولت إلى قضايا إقليمية ودولية مفتوحة على جميع الاحتمالات.
في هذا السياق تبدو سوريا مثالاً واضحاً على التحديات التي واجهت الدولة الوطنية في الشرق الأوسط.
فسوريا لم تكن يوماً بلداً أحادياً من الناحية القومية أو الدينية أو الثقافية.
بل كانت عبر تاريخها الطويل ملتقى لشعوب وثقافات متعددة أسهمت جميعها في بناء شخصيتها الحضارية.
ومع ذلك فإن إدارة هذا التنوع لم تكن دائماً بالمستوى الذي يسمح بتحويله إلى مصدر قوة وطنية دائمة.
لقد اعتمدت الدولة السورية الحديثة، شأنها شأن كثير من دول المنطقة، نموذجاً مركزياً قوياً في الحكم والإدارة.
وقد وفر هذا النموذج قدراً من الاستقرار في بعض المراحل، لكنه أدى في الوقت نفسه إلى تراكم مشكلات تتعلق بالمشاركة السياسية والتمثيل المتوازن والتنمية المتكافئة بين المناطق المختلفة.
وعندما اندلعت الأزمة السورية عام 2011 لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، بل كشفت عن تراكمات تاريخية واجتماعية وسياسية امتدت لعقود طويلة. ومع تصاعد الصراع دخلت قوى إقليمية ودولية متعددة على خط الأزمة، وتحولت سوريا من قضية داخلية إلى واحدة من أكثر القضايا الدولية تعقيداً في القرن الحادي والعشرين.
وهنا تظهر واحدة من أهم قواعد التاريخ السياسي: عندما تعجز المجتمعات عن معالجة أزماتها بنفسها، فإن الآخرين يبدأون بالمشاركة في صياغة الحلول، أو فرضها أحياناً. فالسياسة الدولية لا تعرف الفراغ، والجغرافيا السياسية لا تترك الأزمات الكبرى دون تأثير خارجي.
ولهذا فإن السؤال المطروح أمام شعوب المنطقة ليس ما إذا كان التغيير سيحدث أم لا، بل كيف سيحدث ومن سيقوده.
فالتغيير ليس حدثاً استثنائياً في حياة الأمم، بل هو قانون تاريخي مستمر. وكل دولة تتأخر في إصلاح بنيتها السياسية والاجتماعية تجد نفسها في النهاية أمام تحولات تفرضها ظروف لم تعد تملك السيطرة الكاملة عليها.
وفي الحالة السورية تبرز قضية المكونات الوطنية بوصفها إحدى القضايا المحورية في أي مشروع مستقبلي. فالكرد والعرب والسريان والآشوريون والأرمن والتركمان، إلى جانب التنوع الديني والمذهبي الواسع، ليسوا جماعات طارئة على الجغرافيا السورية، بل شركاء في صناعة تاريخها ومستقبلها.
ومن هنا فإن أي تصور لسوريا المستقبل لا يمكن أن يقوم على فكرة الغالب والمغلوب، أو الأكثرية والأقلية بالمعنى السياسي.
فهذه المفاهيم قد تكون صالحة للإحصاء السكاني، لكنها تصبح خطرة عندما تتحول إلى أساس لبناء الدولة. ذلك أن الدولة الحديثة لا تقوم على أوزان الجماعات، بل على مساواة المواطنين أمام القانون.
إن الكرد، بوصفهم أحد المكونات التاريخية الرئيسية في سوريا، يشكلون مثالاً واضحاً على الحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم الشراكة الوطنية. فالقضية لا تتعلق بمجرد مطالب ثقافية أو إدارية، بل ترتبط بطبيعة الدولة نفسها وبقدرتها على استيعاب جميع أبنائها ضمن إطار وطني مشترك.
والأمر ذاته ينطبق على بقية المكونات السورية. فالعلويون والدروز والمسيحيون والسريان والآشوريون وغيرهم لا يحتاجون إلى دولة توفر لهم الحماية بقدر ما يحتاجون إلى دولة تضمن لهم الحقوق.
فالحماية ترتبط بموازين القوى المتغيرة، أما الحقوق فتستند إلى الدستور والقانون والمؤسسات.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين منطق الحماية ومنطق الشراكة. فالأول يفترض وجود جماعات خائفة تبحث عن ضمانات مؤقتة، أما الثاني فيفترض وجود مواطنين متساوين يشتركون في إدارة وطن واحد. والدول المستقرة في العصر الحديث لم تُبنَ على الحماية المتبادلة، بل على الشراكة المتبادلة.
إن سوريا، مثل بقية دول المنطقة، تقف اليوم أمام لحظة تاريخية تتجاوز مجرد إنهاء الصراعات العسكرية أو إعادة بناء المؤسسات المدمرة.
فالتحدي الأكبر يتمثل في إعادة بناء العقد الاجتماعي نفسه، وفي الإجابة عن السؤال الذي ظل معلقاً منذ تأسيس الدولة الحديثة: كيف يمكن تحويل التنوع إلى مصدر قوة بدلاً من أن يبقى مصدراً للقلق والتوتر؟
إن الجواب لا يكمن في العودة إلى الماضي، ولا في استحضار صراعات التاريخ القديمة، بل في الانتقال إلى مفهوم جديد للدولة يقوم على المواطنة والمساواة والاعتراف المتبادل.
فالدولة التي تنجح في احتضان جميع مكوناتها تصبح أكثر قوة واستقراراً، بينما الدولة التي تستمر في إدارة التنوع بمنطق الهيمنة والإقصاء تظل معرضة لدورات متكررة من الأزمات.
ولذلك فإن التغيير في الشرق الأوسط يبدو اليوم أقرب إلى الحتمية التاريخية منه إلى الاحتمال السياسي.
غير أن الفرق بين الأمم لا يكمن في حدوث التغيير، بل في الطريقة التي تستقبله بها.
فإما أن تصنعه بنفسها عبر الإصلاح والتوافق والشراكة الوطنية، وإما أن تتركه لقوى أخرى ترسم ملامحه وفق مصالحها وحساباتها الخاصة.
وفي النهاية، يعلمنا التاريخ أن الأمم التي تمتلك الشجاعة الكافية لمراجعة أخطائها وإصلاح مؤسساتها هي وحدها القادرة على حماية استقلالها الحقيقي. أما الأمم التي ترفض الاعتراف بضرورة التغيير، فإن التغيير يصل إليها في النهاية، لكنه لا يصل دائماً بالشكل الذي كانت تتمناه.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

محي الدين حاجي   في أقصى سوريا (روجافا- الجزيرة )، حيث تتداخل الجغرافيا مع السياسة، تعيش سكان أراضيها الخصب على وقع غليان صامت يُهدد بابتلاع ما تبقى من أراضيها الزراعية. ليست المعركة الجارية اليوم وليدة الصدفة، بل هي امتداد لسياسات تعريب وتغيير ديموغرافي ممنهج بدأت منذ عقود، وتستمر اليوم بأدوات معاصرة باسم الجمعيات التعاونية ورأس المال (المغتربين).وقد شكلت المنطقة بخصوصيتها…

عقدت اللجنة المركزية لحزب يكيتي الكردستاني – سوريا اجتماعها الدوري، واستعرضت التطورات السياسية والتنظيمية، وناقشت التحديات التي تواجه الحزب والقضية الكردية والشأن السوري العام، وبعد مداولات معمقة، أقرت ما يلي: توقفت اللجنة المركزية مطولاً أمام الواقع التنظيمي للحزب، وما يفرضه من مسؤوليات تستوجب تغليب المصلحة الحزبية العليا على الاعتبارات الأخرى. ورحبت بالجهود الصادقة التي يبذلها الحلفاء والأصدقاء لتجاوز الأزمة الراهنة،…

عبداللطيف محمد أمين موسى إن القراءة الواقعية في تحليل مشهد الصراع والحيثيات والمستجدات المترتبة من على بنية هذا الصراع، وكما تستوجب الإشارة والأخذ بمحمل الجد عرض الآثار السلبية والكارثية لمنحة الصراع، وارتادتها على ساح الصراع الكامنة في الشرق الأوسط ومن ضمنها سوريا. أن المشهد الخطير لتكرار التهديدات الرسمية والعلنية من قبل وزراء حكومة نتنياهو لسوريا، ومدى جدية هذه التهديدات، وأخذها…

د. محمود عباس الحراك الكوردي أمام فخ التمثيل الشكلي في مجلس الشعب. قد تكون بعض المكاسب الصغيرة، في لحظات التحول الكبرى، أخطر من الخسارة الصريحة. فالخسارة تكشف طبيعة الخصم وتُبقي القضية حية وواضحة، أما الفتات السياسي فقد يتحول إلى غطاء لتصفية القضايا الكبرى باسم الحل، والتمثيل، والمشاركة، والاعتراف الرمزي. وهذا بالضبط ما يواجهه الحراك الكوردي اليوم…