القضية الكردية وتوازنات الشرق الأوسط الجديدة

كفاح محمود

  لم تعد القضية الكردية مجرد ملف قومي مؤجل في خرائط الشرق الأوسط، بل تحولت إلى عنصر مؤثر في معادلات الأمن والطاقة والحروب وإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي، فبعد عقود من المواجهات المسلحة والقطيعة السياسية، تشهد المنطقة تحولات عميقة قد تفتح الباب أمام مقاربات مختلفة للقضية الكردية، خصوصًا مع التطورات الأخيرة في تركيا وسوريا، مقابل تعقّد المشهد في إيران والعراق، بما يجعل مستقبل الكورد مرتبطًا مباشرة بمآلات الصراعات الكبرى في الإقليم.

  في تركيا، يبدو أن العلاقة بين الدولة وحزب العمال الكردستاني تدخل مرحلة مختلفة، ولو بحذر شديد. فالمناخ السياسي التركي، وضغوط الاقتصاد، وتبدل الأولويات الأمنية، دفعت أنقرة إلى إعادة النظر في جدوى الحرب المفتوحة التي استنزفت الجميع لعقود، كما أن الرسائل الأخيرة لعبد الله أوجلان، والحديث المتزايد عن مسارات تهدئة واندماج سياسي وديمقراطي، تعكس إدراكًا متبادلًا بأن الحل العسكري وحده لم يعد كافيًا، وإذا نجحت هذه المقاربة، فإنها قد تمثل أهم تحول في تاريخ القضية الكردية الحديثة، لأنها تنقلها من منطق التمرد المسلح إلى فضاء الشراكة السياسية داخل الدولة.

  وفي سوريا، جاءت التفاهمات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية لتؤكد أن الكورد باتوا جزءًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية. فـ”قسد” التي تشكلت بدعم أمريكي لمحاربة تنظيم داعش، تحولت إلى قوة أمر واقع تمتلك نفوذًا عسكريًا وإداريًا واسعًا شرق الفرات، لكن هذه القوة ما تزال تواجه معادلة شديدة التعقيد بين الضغوط التركية، وحسابات دمشق، والموقف الأمريكي المتردد، والمخاوف الإيرانية من أي كيان كردي مستقر قرب حدودها.

  أما إيران، فتبدو الساحة الأكثر حساسية واضطرابًا، فطهران تنظر إلى أي حراك كردي بوصفه تهديدًا مباشرًا لوحدة النظام والدولة، خصوصًا بعد احتجاجات مهسا أميني التي كشفت حجم الاحتقان داخل المناطق الكردية، ولهذا كثفت إيران، خلال السنوات الأخيرة، عملياتها الأمنية والعسكرية ضد الأحزاب الكردية الإيرانية الموجودة داخل إقليم كردستان العراق، بالتوازي مع محاولاتها توسيع نفوذها السياسي والعسكري داخل العراق نفسه.

  وسط هذه التعقيدات، يبرز إقليم كردستان العراق بوصفه التجربة الكردية الأكثر نضجًا وواقعية في الشرق الأوسط، رغم ما يواجهه من تحديات غير مسبوقة، فالإقليم الذي نجح، منذ 1991، في بناء مؤسسات سياسية وأمنية واقتصادية مستقرة نسبيًا، أصبح اليوم هدفًا لضغوط متشابكة؛ من بغداد اقتصاديًا عبر ملفات النفط والموازنة والرواتب، ومن الفصائل الولائية عسكريًا عبر القصف المتكرر بالطائرات المسيّرة والصواريخ، خاصة خلال الحرب الأمريكية ـ الإيرانية الأخيرة، حيث تعرضت مدن الإقليم ومطاراته ومنشآته الحيوية لمئات الهجمات.

  كما واجه الإقليم ضغوطًا أمريكية وإيرانية وعراقية متزامنة لتوريطه في الصراع الإقليمي، سواء عبر الاتهامات المتعلقة بتهريب أو تمرير أسلحة إلى المعارضة الكردية الإيرانية، أو عبر التصريحات الأمريكية المثيرة للجدل بشأن “فقدان” بعض تلك الأسلحة، وهي اتهامات تعكس حجم التشابك الاستخباري والسياسي الذي أصبحت تعيشه المنطقة، أكثر مما تعكس حقائق مثبتة.

  ورغم ذلك، ما يزال إقليم كردستان يحتفظ بأهمية استراتيجية لدى الولايات المتحدة وأوروبا، ليس فقط بسبب دوره في الحرب ضد الإرهاب، بل لأنه يمثل نموذجًا أكثر استقرارًا مقارنة بمحيطه العراقي والسوري. فالغرب، وإن كان لا يدعم استقلال الإقليم رسميًا، إلا أنه ينظر إليه بوصفه شريكًا أمنيًا وسياسيًا موثوقًا نسبيًا، ولهذا استمرت أشكال الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي له، بالتوازي مع مواقف خليجية أكثر انفتاحًا، خاصة من الإمارات والسعودية وقطر، التي باتت ترى في استقرار الإقليم عنصر توازن اقتصادي وسياسي مهم في شمال العراق.

  لكن التحدي الأكبر أمام القضية الكردية اليوم لا يكمن فقط في الضغوط الخارجية، بل أيضًا في الانقسامات الداخلية الكردية، سواء في العراق أو سوريا أو بين القوى الكردية الإقليمية نفسها، فكلما اقترب الكورد من لحظة تاريخية تسمح بتحقيق مكاسب سياسية حقيقية، عادت الانقسامات لتضعف قدرتهم على تحويل التحولات الإقليمية إلى مشروع استراتيجي مستدام.

  ولهذا، فإن مستقبل القضية الكردية سيتحدد بدرجة كبيرة وفق نتائج الصراع الإقليمي الحالي: فإذا اتجه الشرق الأوسط نحو التسويات والتهدئة، قد تتحول القضية الكردية إلى جزء من حلول المنطقة، أما إذا استمرت الحروب المفتوحة وصراعات النفوذ، فقد تبقى القضية الكردية، مرة أخرى، إحدى أكثر قضايا الشرق الأوسط استخدامًا واستنزافًا في لعبة الأمم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…

كفاح محمود في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله، إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا، لذلك لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال…