كوردستان وإسرائيل حقيقتان ترعبان الشرق الأوسط

د. محمود عباس

ليست فضيحة الشرق الأوسط في كثرة حروبه، بل في كذبه على نفسه. فالمنطقة التي تملأ منابرها بالحديث عن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وجنوب سوريا ولبنان، والحق التاريخي والعدالة، لا تريد أن تسمع حقيقتين مرّتين، أن للشعب اليهودي حقًا تاريخيًا ودينيًا وسياسيًا في دولته، وأن للشعب الكوردي حقًا في كوردستان لا يقل شرعية عن أي دولة خرجت من خرائط سايكس–بيكو ولوزان وسان ريمو.

منذ السقيفة، ثم الصراع بين الأنصار والمهاجرين، فالأمويين والهاشميين، وصولًا إلى الانقسام السني–الشيعي، ومرورًا بالصراع العثماني–الصفوي، وحتى الحروب الجارية اليوم في الشرق الأوسط، لم يكن الدين في يد الإمبراطوريات والسلطات إيمانًا خالصًا، بل أداة سلطة وشرعية وهيمنة. لم تبقَ الخلافات اختلافات فقهية أو اجتهادات دينية فحسب، بل تحولت إلى رايات حروب، وحدود نفوذ، وأقنعة للسيطرة.

ولنترك الماضي الكارثي القاتم جانبًا، وشماعة الكورد وكوردستان وتقسيم الدول المحتلة لها، ومن ثم إسرائيل واليهود، ولنقف عند ما فعله الصفويون بالتشيع، وما فعله العثمانيون بالسنة، ثم ما أعادت إيران وتركيا وبعض الأنظمة العربية إنتاجه بوجوه حديثة، مذهب حين يخدم السلطة، وقومية حين تخدم الدولة، ودين حين يصلح للتحريض، وصمت كامل حين يكون الضحية كورديًا.

أكثر ما لا يريد العالم العربي والإسلامي سماعه هو أن إسرائيل ليست “كيانًا” طارئًا بلا جذور كما يردد الخطاب الدعائي، بل دولة قامت على ذاكرة يهودية ضاربة في عمق التاريخ، وعلى نصوص دينية تعترف بها اليهودية والمسيحية والإسلام، وعلى مسار سياسي دولي بدأ بوعد بلفور عام 1917، ومرّ بسان ريمو عام 1920، وقرار التقسيم عام 1947، وانتهى بإعلان الدولة عام 1948. يمكن نقد سياسات إسرائيل، ورفض ظلم أي مدني، والدفاع عن حقوق الفلسطينيين، لكن إنكار حق الشعب اليهودي في الدولة هو إنكار للتاريخ قبل أن يكون موقفًا سياسيًا، وهذا ما سيفرض سياسيا ودبلوماسيا، على الأنظمة الإسلامية الشيعية والسنية، ومن بينها إيران المدعية بحمل شعار الموت لليهود، وإزالة إسرائيل، لأن شعار مماثل تحمله القوى السنية، المتطرفة على الأقل في وجه نظام أئمة ولاية الفقيه، وهو نابع من الصراع العميق في التاريخ.

والأشد نفاقًا أن الدول التي تصف إسرائيل بـ“الاحتلال” هي نفسها تقف على خرائط صنعتها القوى الكبرى بعد الحرب العالمية الأولى. سوريا والعراق ولبنان والأردن وتركيا الحديثة وإيران الحديثة لم تهبط من السماء، بل تشكلت على جسد كوردستان، أو أعيد تثبيتها ضمن صفقات دولية وانهيار إمبراطوريات. فلماذا تصبح إسرائيل وحدها “كيانًا”، بينما تتحول الدول التي قسمت كوردستان إلى أوطان مقدسة لا تُسأل عن أصلها ولا عن جرائمها؟

هنا تظهر كوردستان كالحقيقة التي تفضح الجميع. فتركيا تتحدث عن أمنها القومي بشعارات الإسلام السني، وهي تحتل الجغرافية الكوردية وتطارد اسم كوردستان. إيران تحت عباءة سيادة الشيعة للعالم الإسلامي، ترفع شعار المستضعفين وهي تقمع شرق كوردستان باسم الدولة والمذهب والأمن. العراق لم يعترف بحقوق الكورد إلا بعد الأنفال وحلبجة والدم. وسوريا البعث مارست الإحصاء الاستثنائي والحزام العربي والتعريب وحرمان الكورد من الجنسية، ثم سوريا اليوم، السنية المتطرفة أتباع ابن تيمية، تتحدث عن السيادة ووحدة الأرض وكأنها لم تبنِ وحدتها على إنكار شعب أصيل. الكل يسخر الإسلام كما يطيب لهم.

كما وإن إيران في العقود الأخيرة، قدمت المثال الأوضح على تحويل الإسلام إلى قناع، ورفعت شعار الموت لليهود، ليس فقط كأصحاب دولة مدنية بل كدين سماوي. فهي لم تستخدم فلسطين لأنها فلسطينية فقط، بل لأنها كانت الطريق الأسهل لاختراق الوجدان العربي السني. نظام شيعي لم يكن قادرًا على دخول العالم السني من باب ولاية الفقيه، فدخل من باب القدس. استخدم حماس، وهي حركة سنية، ليقول إن العرب السنة عجزوا عن حماية فلسطين، وإن إيران الشيعية هي صاحبة راية “المقاومة”. لكنه عندما يجلس إلى طاولة التفاوض مع أمريكا، تتقدم العقوبات والنووي والأموال والممرات البحرية، وتتراجع فلسطين إلى الخلف. في الشارع راية، وفي السياسة ورقة.

ولا تختلف تركيا والعالم العربي كثيرًا عن إيران. يهاجمون التمدد الشيعي الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن، لكنهم يصمتون عن الاحتلال التركي للجغرافية الكوردية، وعن القمع الإيراني لكوردستان الشرقية، وعن إنكار الدول العربية لكوردستان الجنوبية والغربية. الإسلام يحضر عندما يكون الخصم يهوديًا، ويغيب عندما يكون الضحية كورديًا. العدالة تصبح واجبًا حين تكون فلسطين في الواجهة، وتصبح “انفصالًا” حين يطالب الكورد بحقهم.

هذه هي الحقيقة الصادمة، الاحتلال لا يُدان لأنه احتلال، بل لأنه يمارسه الخصم. أما عندما يمارسه الحليف أو تمارسه الدولة ذاتها، يتحول إلى أمن قومي ووحدة وطنية وسيادة. لذلك يستطيع العربي السني، والتركي السني، والإيراني الشيعي، أن يختلفوا على فلسطين وسوريا واليمن ولبنان، ثم يلتقوا عند نقطة واحدة، منع الكورد من أن يصبحوا قوة سياسية مستقلة في أرضهم.

إن مأساة الشرق الأوسط ليست في وجود إسرائيل، ولا في تعدد الأديان والمذاهب، بل في إنكار الحق عندما لا يخدمنا. لليهود حق في دولتهم، وللفلسطينيين حق في العدالة، وللكورد حق في كوردستان. ومن يعترف بحق شعب وينكر حق شعب آخر ليس صاحب مبدأ، بل تاجر مظلومية. ومن يرفض دولة اليهود باسم التاريخ ثم ينكر تاريخ الكورد باسم خرائط الاستعمار، لا يدافع عن العدالة، بل يهرب من المرآة.

كوردستان وإسرائيل تضعان المنطقة أمام السؤال الذي تخافه، من يملك الحق فعلًا؟ من يملك التاريخ؟ ومن يملك الجرأة على الاعتراف بحق الآخر؟ لذلك تبقى إسرائيل مزعجة لأنها تكسر أكذوبة “الكيان الطارئ”، وتبقى كوردستان أخطر لأنها تكشف أن الذين يصرخون ضد الاحتلال يمارسونه، وأن الذين يتحدثون باسم الأمة دفنوا أمة كاملة تحت خرائطهم.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

6/5/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو   في السنوات الأخيرة، ظهرت محاولات متكررة لعقد مقارنات بين الزعيم الرئيس مسعود بارزاني وعبد الله أوجلان، سواء من حيث النضال أو التاريخ أو التأثير السياسي في القضية الكوردية. غير أن هذه المقارنات، في نظر الكثيرين، ليست منصفة ولا تستند إلى قراءة حقيقية وعميقة لمسار الرجلين، لأن الفارق بين مشروع وطني متجذر في وجدان الشعب، وبين مشروع آخر…

شادي حاجي أثار تصريح سيبان حمو، حين قال إن “لا توجد مناطق كردية في سوريا، فنحن شعوب متداخلة مع بعضها البعض”، جدلاً واسعاً بين الأوساط الكردية، ليس لأن فكرة التعايش بين الشعوب مرفوضة، بل لأن هذا الطرح يتناقض مع الخطاب السياسي الذي تبنّته الحركة السياسية الكردية بمختلف أحزابها في سوريا والحزب الذي ينتمي إليه سيبان حمو نفسه طوال سنوات….

عدنان بدرالدين   من سؤال الهوية إلى سؤال السيادة بعد ثلاث حلقات تناولت تركيا وسوريا وإيران، يتضح أن اختلاف الأيديولوجيات لا يغيّر حقيقة بنيوية واحدة: الدولة ظلّت قادرة على حماية تعريف أحادي للجماعة السياسية، وبالتالي ظلّ احتكار القرار السيادي النهائي ممكنًا. قد يُصاغ احتكار السيادة بلغة قومية صريحة كما في الحالة التركية، أو يُؤطَّر بعقيدة دستورية تعلو على المجال السياسي…

إبراهيم كابان قد يبدو للوهلة الأولى أن نهاية أي مشروع سياسي كبير تعني تلقائياً بداية بديل أكثر نضجاً ووضوحاً، لكن الواقع في السياق الكردي أكثر تعقيداً من هذه الفرضية المبسطة. فالتراجع أو التحول الذي يصيب قوة مركزية لا ينتج بالضرورة بديلاً، بل قد يفتح فراغاً واسعاً، سرعان ما تمتلئ جوانبه بحالات متفرقة من الادعاء والتموضع، دون أن تمتلك أي منها…