إبراهيم كابان
قد يبدو للوهلة الأولى أن نهاية أي مشروع سياسي كبير تعني تلقائياً بداية بديل أكثر نضجاً ووضوحاً، لكن الواقع في السياق الكردي أكثر تعقيداً من هذه الفرضية المبسطة. فالتراجع أو التحول الذي يصيب قوة مركزية لا ينتج بالضرورة بديلاً، بل قد يفتح فراغاً واسعاً، سرعان ما تمتلئ جوانبه بحالات متفرقة من الادعاء والتموضع، دون أن تمتلك أي منها القدرة على التحول إلى مشروع سياسي متماسك.
في هذا الإطار، لا يمكن قراءة المشهد باعتباره انتقالاً من مرحلة إلى أخرى، بل باعتباره استمراراً لأزمة بنيوية في الوعي السياسي ذاته. فالمشكلة لم تعد في وجود طرف مهيمن أو غيابه، بل في غياب القابلية لإنتاج بديل حقيقي. إذ تتحول المعارضة في كثير من الأحيان إلى مجرد انعكاس مشوه لما تعارضه، بدل أن تكون نقيضاً فكرياً وتنظيمياً له.
المفارقة الأشد وضوحاً أن خصوم القوى التقليدية داخل الشارع الكردي، رغم خطابهم النقدي الحاد، لا يقدمون تصوراً متكاملاً يتجاوز منطق الرفض. بل إن جزءاً كبيراً من هذا الخطاب ينزلق إلى فوضى سياسية وإعلامية، تجعل من الاختلاف مادة للاستنزاف، لا أداة لإعادة البناء. وهكذا يتكرر النموذج ذاته بصيغ مختلفة: لغة حادة، اصطفافات متغيرة، وانعدام في الأفق الاستراتيجي.
لكن جوهر الأزمة أعمق من مجرد صراع بين أطراف متنافسة وإنما مرتبط بنمط تفكير سياسي يتغذى على فكرة الخصومة الداخلية كشرط لإثبات الذات. فبدلاً من أن يبنى النجاح على الإنجاز، يبنى في كثير من الأحيان على فشل الآخر. هذه الذهنية لا تنتج مشروعاً، بل تنتج وهماً متراكماً، يتغذى على الانتصارات الخطابية أكثر مما يستند إلى الوقائع.
من هنا ندرك حجم تراجع أي قوة سياسية لا يعني تلقائياً صعود خصومها بوصفهم بديلاً حقيقياً، بل قد يعني العكس تماماً ” تضخم الوهم لديهم “. إذ يتحول فشل الخصم إلى مادة لبناء سردية انتصار غير مستحقة، تُخفي خلفها عجزاً بنيوياً عن إنتاج رؤية مستقلة. وفي خضم الصراعات البينية يعاد تدوير الأزمة ذاتها، لكن بوجوه مختلفة وشعارات جديدة.
الأتراك وإستراتيجية توظيف الثغرات ضد منظومة العمال
ضمن هذا المشهد المعقد، لا يمكن إغفال البعد الإقليمي في إعادة تشكيل التوازنات داخل الشارع الكردي، فالدول المعنية بالملف الكردي، وفي مقدمتها تركيا لا تتعامل مع هذه الانقسامات بوصفها ظواهر عابرة، بل كفرص قابلة للاستثمار السياسي والإعلامي.
لقد أظهرت التجربة أن إخفاقات بعض القوى الكردية لا تبقى محصورة في نطاقها الداخلي، بل يتم تضخيمها وتدويرها عبر قنوات متعددة، بحيث تتحول إلى مادة ضغط مستمرة. وفي هذا السياق يجد بعض المناوئين الكرد أنفسهم – بوعي أو بدونه – جزءاً من هذا المسار، من خلال رفع وتيرة الخطاب التصادمي، والتركيز على الهدم أكثر من البناء.
المشكلة هنا لا تكمن في النقد بحد ذاته فهو ضرورة لأي بيئة سياسية صحية، بل في تحول هذا النقد إلى أداة ضمن صراع أوسع، يتم فيه توظيف الانقسام الداخلي لخدمة توازنات خارجية. وعندما يفقد الخطاب استقلاليته ويتحول إلى صدى لصراعات أكبر، فإنه يفقد قدرته على إنتاج بديل حقيقي، ويصبح جزءاً من إعادة إنتاج الأزمة.
الأخطر أن هذا التداخل بين الداخلي والخارجي يعمق من حالة التشظي، إذ يخلق طبقات إضافية من الشك والصراع، ويجعل من الصعب بناء أرضية مشتركة يمكن الانطلاق منها نحو مشروع جامع.
دوامة الاستنزاف من السياسة إلى الضجيج
في ظل هذه المعطيات يتحول الصراع تدريجياً من تنافس سياسي إلى حالة استنزاف مفتوح، حيث تتجه الطاقات نحو حروب إعلامية داخلية ، تستهلك فيها اللغة والرموز والاتهامات، دون أن يترجم ذلك إلى فعل سياسي ملموس.
وهكذا، لا يبقى من المشهد سوى ضجيج كثيف يغطي فراغاً حقيقياً يحاول كل طرف رفع سقف خطابه، ويصعد من حدة المواجهة، لكنه في الوقت ذاته يعجز عن تقديم تصور قابل للحياة، ومع مرور الوقت، تصبح الفوضى هي القاسم المشترك، لا الاستثناء.
من يملك المشروع الوطني بين الوهم والحقيقة
إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في من يربح جولة خطابية أو من ينجح في إضعاف خصمه، بل في أن الجميع ” بدرجات متفاوتة ” يتحركون داخل الإطار ذاته، غياب المشروع وهيمنة رد الفعل والارتهان لفكرة الخصم الداخلي كمرتكز للوجود السياسي.
في هذا السياق لا يكفي إعلان نهاية مرحلة للقول إن مرحلة جديدة قد بدأت، فالبدايات الحقيقية لا تقاس بانهيار الآخرين، بل بقدرة الفاعلين على تجاوز منطق الفوضى نحو بناء مشروع واضح يمتلك رؤية وأدوات وأفقاً.
وإن لم يحدث ذلك سيبقى الشارع الكردي أسير دورة متكررة من الأوهام المتبادلة، حيث يعاد إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة، ويتقاسم الجميع الخسارة حتى وإن ظن كل طرف أنه المنتصر.