د. محمود عباس
لم يترك المتربصون بالأمة الكوردية وسيلةً قذرة إلا واستخدموها ضدها؛ من توسيع شروخ الخلافات الداخلية، والطعن في مصداقية قياداتها، والتشكيك في وطنية حراكها، إلى تشويه تاريخها، وتحويل نضالها القومي إلى مادة للابتزاز الإعلامي والسياسي. لم يكتفوا بذلك، بل سعوا دائمًا إلى تأليب الدول الكبرى عليها، وصناعة تحالفات إقليمية قائمة على العداء للوجود الكوردي، وكأن بقاء هذا الشعب حيًا في جغرافيته وتاريخه وذاكرته جريمة لا تُغتفر في نظرهم.
ولأجل إنجاح هذا الحقد المنظّم، لم يتحركوا بعفوية ولا بارتجال؛ بل بنوا مؤسسات، وموّلوا مراكز إعلامية، وعقدوا مؤتمرات، ونسجوا اتفاقيات وتحالفات، وخصصوا ساعات طويلة في فضائياتهم ومنابرهم للطعن في ذاكرة الشعب الكوردي، والنيل من رموزه، وتشويه وعي أجياله. تارةً يهاجمون الحركة الكوردية بذريعة الانفصال، وتارةً يطعنون في شرعية الفيدرالية، وتارةً يتباكون على “وحدة الأوطان” التي لم تكن في قاموسهم يومًا سوى غطاء لإنكار حقوق الشعوب، وخصوصًا حقوق الكورد.
ولو لم تكن جذور الشعب الكوردي عميقة في جغرافيته، ومسنودة بتاريخ سحيق، وثقافة اجتماعية وروحية وأخلاقية عريقة، لما استطاع أن يصمد في وجه هذا الكم الهائل من الكراهية والمؤامرات. شعبٌ تعرّض للإنكار، والتهجير، والتعريب، والتتريك، والتفريس، والأنفال، وحلبجة، وقطع الجغرافيا، ومحاربة اللغة، ومع ذلك بقي واقفًا؛ لا لأن أعداءه كانوا رحماء، بل لأنه كان أعمق من مشاريعهم، وأصلب من حدودهم، وأكبر من خرائطهم المصطنعة.
وما يُنشر اليوم على بعض مواقع التواصل الاجتماعي من صورة مزعومة، صُنعت أو عُدّلت بأدوات الذكاء الاصطناعي، وتوحي بلقاء بين السيد الرئيس مسعود برزاني وابنة صدام حسين، ليس إلا حلقة جديدة من حلقات القذارة الإعلامية التي اعتاد أعداء الأمة الكوردية ضخها كلما عجزوا عن مواجهة الحقيقة. إنها ليست وثيقة، بل فخ بصري؛ وليست خبرًا، بل سمّ سياسي يُراد له أن ينتشر بسرعة الصورة قبل أن يلحقه العقل بسؤال التحقق.
هذه الحملات لا تستهدف شخص السيد مسعود برزاني وحده، بل تستهدف الذاكرة الكوردية ذاتها. يريدون أن يربطوا رمزًا كورديًا بتاريخ الجلاد، وأن يخلطوا في وعي الناس بين من دافع عن كوردستان ومن ارتكب الأنفال وحلبجة ضدها. يريدون أن يصنعوا من الصورة المفبركة بديلًا عن التاريخ، ومن الإيحاء الرخيص بديلًا عن الحقيقة، ومن التشويه الافتراضي سلاحًا ضد شعب لم يستطيعوا كسره بالحروب والمجازر والحصار.
فالهجوم على السيد الرئيس مسعود برزاني لا ينفصل عن الهجوم على التجربة الكوردستانية ذاتها. إنهم لا يستهدفون شخصًا فقط، بل يستهدفون رمزًا، وتاريخًا، وشرعية نضالية، وتجربة فيدرالية نجحت وسط عراق غارق في الفساد والطائفية والتبعية والتناحر السياسي. وحين يجد الشارع العراقي، بكل مكوناته، في قيادة كوردستان قدرًا من التوازن والحكمة والكرامة السياسية التي افتقدها لدى كثير من قياداته الغارقة في صراعات النفوذ والتبعية، يصبح طبيعيًا أن تتحرك غرف التشويه، وأن تُستدعى الأكاذيب القديمة بثياب رقمية جديدة.
إن السيد مسعود برزاني أعلى من أن تناله هذه الافتراءات، وأنقى من أن تشوّه سيرته صورة مفبركة أو حملة مأجورة، وأشرف من كل الأدوات التي تحرّكها غرف الحقد السياسي للطعن في نزاهته ووطنيته. فقد كان، ولا يزال، واحدًا من الرموز التي ارتبط اسمها بالدفاع عن كرامة الشعب الكوردي، وعن حق كوردستان في الوجود والحماية والسيادة والفيدرالية، في زمنٍ كان فيه كثيرون يساومون على كل شيء: الأرض، والذاكرة، والدم، والكرامة.
ولذلك فإن الرد الحقيقي على هذه الحملات لا يكون بالانفعال وحده، بل بكشف مصدرها وغايتها. فكلما ارتفعت مكانة كوردستان، وكلما ازداد حضور السيد مسعود برزاني في الوجدان الكوردي والعراقي، اشتدت حملات التشويه ضده. فالأعداء لا يهاجمون الفاشل، ولا يلاحقون الهامشي، ولا يخافون من اسم بلا أثر؛ إنهم يهاجمون من بقي حاضرًا، ومن تحول إلى عقدة في ذاكرة خصومه، ومن لم يستطع الحقد أن يمحو مكانته من قلوب شعبه.
ولهذا يجب ألا نتعامل مع مثل هذه الصور بوصفها مزحة عابرة أو منشورًا سخيفًا على مواقع التواصل، بل كجزء من حرب نفسية وإعلامية جديدة تستخدم الذكاء الاصطناعي لتزوير الوعي، لا لتزوير الصورة فقط. فالمعركة القادمة لن تكون على الأرض وحدها، بل على الذاكرة والصورة والانطباع؛ ومن لا يحصّن وعيه، قد يُهزم أمام صورة لم تحدث، وخبر لم يقع، وكذبة صُممت بعناية كي تبدو حقيقة.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
4/5/2026م