في مقدمات تغيير اسم pkk إلى الحركة الآبوجية.

عبدالله كدو
بمناسبة تغيير اسم حزب العمال الكردستاني pkk إلى الحركة الآبوجية، كتحصيل حاصل لما بلغه الحزب من تنازل عن القومية الكردية، وخاصة بعد اعتقال زعيمه عبدالله أوجلان في شباط عام 1998، حيث استبدل الأمة الكردية بالأمة الديمقراطية، وتم تسريع وتيرة تخليه عن القومية الكردية بعد “طوفان الأقصى” الذي أطاح بكل التيارات والأحزاب الموالية لحكومة إيران الإسلامية، ومنها pkk المدعوم من المحور الإيراني – السوري منذ بدايات تأسيسه.
وهنا لا بد من العودة للوراء قليلا لمتابعة التدرج في إعلان pkk التراجع عن التزامه بالقضية الكردية، وليس فقط في ممارسة ذلك التراجع.
فقد انطلق حزب العمال الكردستاني في نهاية سبعينيات القرن الماضي، رافعا شعار تحرير وتوحيد أجزاء كردستان الأربعة. لكن في عام 1996، تنازل الحزب بوضوح عن كردستان سوريا، حيث إن قيادته الفعلية كانت متمركزة في سوريا ولبنان. ووفقا لما ورد في كتاب “سبعة أيام مع القائد آبو” الذي وزعه أنصار PKK بأيديهم على السوريين حينذاك، زعم فيه أوجلان أنه لا توجد أرض كردية تاريخية في سوريا، وبالتالي لا توجد قضية كردية فيها، بل وطالب الكرد السوريين بالعودة إلى تركيا “وطنهم” المزعوم، مما يعكس تكرارا للمقولات العنصرية للتيار القوموي البعثي في سوريا، نزولا عند إملاءات نظام الأسد الذي عمل على شطب الهوية الكردية وإذابة القومية الكردية ضمن القومية العربية التي كانت تتشدق بها دوائر حزبه وأجهزته المخابراتية.
وقد تصدى حينذاك كثير من المناضلين الكرد السوريين في الندوات والاجتماعات لتلك الوثيقة المرفوضة، و أصدر حزب يكيتي الكردي في سوريا حينذاك وثيقة بعنوان (دفاعا عن قضية عادلة)، رد فيها على مزاعم أوجلان الذي تنكر فيها للوجود الكردي التاريخي في سوريا كشعب يعيش على أرض أسلافه. وهنا أذكّر وأدعو كل من لديه معلومات عن وثائق كردية أخرى قد استنكرتها حينها إلى الإفصاح عنها ونشرها.
ما أريد قوله هنا هو أن نتيجة ذلك الموقف الصادم، أصبحت صفة “الكردستاني” التي كان يحملها اسم الحزب تشمل ثلاثة أجزاء فقط من كردستان حينذاك.
وفي عام 2016، طالب حزب العمال الكردستاني بسلخ منطقة شنكال (سنجار) الكردستانية – الواقعة ضمن المناطق المتنازع عليها – عن إقليم كردستان العراق وربطها ببغداد بدلا من هولير (أربيل)، بما تحمله من رمزية كعاصمة إقليم كردستان، وذلك بعد دخول مسلحيه، أي مسلحي pkk، في علاقة مكشوفة مع الحشد الشعبي الشيعي العراقي المرتبط بحكومة إيران. وبذلك كان يفهم أن اعتراف الحزب قد تقلص إلى جزأين فقط من كردستان.
وفي تصريح لرئيس الحزب جميل بايك قبل نحو أربع سنوات، أعلن أنه إذا دخلت أمريكا في صدام مع إيران، فسيقف الحزب إلى جانب إيران، رغم قمعها لشعب كردستان إيران واستعباده. وبذلك كان يفهم أن الحزب أصبح منذئذ معنياً – على الأقل إسميا- بجزء واحد فقط من كردستان، وهو كردستان تركيا.
أما في تركيا، فكان pkk يعتمد منذ سنوات على حزب الشعوب الديمقراطي (HDP)، الذي غير اسمه لاحقا إلى DEM، والذي يطالب بالديمقراطية لتركيا دون طرح أي مشروع قومي كردي، ولا يذكر اسم الكرد أو كردستان كمشروع سياسي في أدبياته. علما أن هناك في تركيا نضالا سياسيا كرديا تخوضه الأحزاب الكردية والمجتمع المدني الكردي، يطالبون فيه بالحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي في تركيا واحترام خصوصيته كشعب عريق على أرضه التاريخية، ويرفعون علم كردستان – الذي ظل pkk يعاديه – ويدفعون ثمن ذلك المزيد من التضحيات باستمرار، وخاصة منذ انطلاقة الحركة الكردية المعاصرة هناك في ستينيات القرن الماضي. وكانوا وما زالوا يقفون إلى جانب قضية أشقائهم الكرد في بقية أجزاء كردستان دون أي تدخل.
وعليه، فإن فعل حزب العمال الكردستاني منذ ذلك الوقت، أصبح متناقضا مع اسمه ومتوافقا مع اسم آخر، وهو: حزب العمال التركي أو حزب العمال في تركيا. وأن الحكومة التركية تعاملت مع ذلك الحزب واستطالاته على هذا الأساس، أي أن الحكومة لم تكن تعتبره حزبا كرديا. وأي كلام آخر من أوساط pkk من النوع الذي كان يضفي معانٍ وتعبيرات قومية كردية على دوافع ومعاني دعوة أوجلان لإلقاء السلاح وحل الحزب، إنما كان استعراضيا ودعائيا فقط لتخفيف الصدمة على أولئك الكرد الذين كانوا يعقدون آمالا معينة على ذلك الحزب، تلافيا لاحتمال صدور ردود أفعال منهم ضد دعوة أوجلان، خاصة من العائلات الكردية التي فقدت أبناءها وأحباءها على ذمة ذلك الحزب دون تقديم اعتذار لها، في حين أن اوجلان قدم الاعتذار للضحايا من الأتراك في اليوم الأول من استجوابه بعد اعتقاله.
هذا، علما أن أصحاب الحكمة من الوطنيين الكرد والكردستانيين وأصدقائهم في كل المعمورة كانوا وما زالوا يتطلعون بفارغ الصبر إلى تلك اللحظة التي ينفذ فيها مسلحو pkk إلقاء سلاحهم وحل حزبهم في أقرب وقت، حيث أنه لم يتمكن طيلة هذه السنوات من تحقيق أي مكسب للكرد، ولم يتمكن من الخروج من قائمة الإرهاب التي أدرجت فيها دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وكندا وغيرها اسم الحزب وقادته. ورغم أن حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) واستطالاته، الذي يعلن اهتداءه بفكر وفلسفة أوجلان، دخل في التحالف الدولي لمحاربة داعش مع الولايات المتحدة الامريكية والدول الاوربية، وقاتل مسلحوه خارج المناطق الكردية في محافظتي الرقة ودير الزور لمدة عشر سنوات ، ومع ذلك لم يتمكن من إزالة اسم pkk من تلك القائمة التي شوشت الرؤية على كثير من الأشخاص والجماعات التي كان من المفترض بهم أن يقفوا إلى جانب القضية العادلة للأمة الكردية، فضلا عن كل الخسائر البشرية والمادية التي تسبب بها الصراع المسلح للحزب منذ 42 عاما.
باختصار، الاسم الجديد، أي الحركة الآبوجية، هو التخلي الصريح عن لاحقة “الكردستاني”، أي التخلي عن القومية الكردية قولا وفعلا ، وهو سقوط مدو وإحباط جديد للملايين الكرد من الأتباع الحالمين الذين زرعوا الداخل الكردي وخارجه بالمسيرات المؤيدة لأوجلان هاتفين: لا حياة بدون سروك، أي الرئيس. والصدمة الأخرى هي أنه لم تشهد الحركات السياسية إطلاق أسماء قادتها على أنفسها قبل وفاتهم، فهذه الخطيئة ربما تصل أبعد من عبادة الفرد.

شارك المقال :

اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس   لم يترك المتربصون بالأمة الكوردية وسيلةً قذرة إلا واستخدموها ضدها؛ من توسيع شروخ الخلافات الداخلية، والطعن في مصداقية قياداتها، والتشكيك في وطنية حراكها، إلى تشويه تاريخها، وتحويل نضالها القومي إلى مادة للابتزاز الإعلامي والسياسي. لم يكتفوا بذلك، بل سعوا دائمًا إلى تأليب الدول الكبرى عليها، وصناعة تحالفات إقليمية قائمة على العداء للوجود…

تقرير سياسي من تيار مستقبل كردستان سوريا ، حول الأوضاع في سوريا في ظل المرحلة الدقيقة التي تمر بها سوريا، وبعد مرور أكثر من عام وعدة أشهر على تشكيل حكومة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، يجد تيار مستقبل كردستان سوريا نفسه مضطراً لتوضيح موقفه من مجمل القضايا الوطنية في سوريا، وفي مقدمتها القضية الكردية، وكذلك تقييم أداء السلطة الحالية في دمشق….

فواز عبدي   في كل مرة يغادرنا قيادي كردي إلى مثواه الأخير، تتكرر ذات المسرحية: بعد حياة سياسية صاخبة حافلة بالانقسامات، والمناكفات، والتحزّب الضيق، وبعد أن يضع رجلاً في القبر وتبقى الأخرى معلقة في الهواء، يخرج علينا ببيان أو منشور أو وصية أخيرة، تتساءل – ببراءة الموتى – “كيف السبيل إلى اتفاق الكرد السوريين؟” يا للمفارقة! يا لسخرية القدر! Weyla…

اكرم حسين   لا يمكن قراءة تاريخ الشعب الكردي في سوريا أو فهم صيرورته السياسية عبر عدسات ضيقة تفتقر إلى العمق الاستراتيجي؛ فالكُرد ليسوا طارئاً جغرافياً ولا “وافداً” على النسيج الوطني، بل هم جزء أصيل ممتد الجذور في تربة هذه الأرض منذ قرون. لقد جاء “مقص” سايكس-بيكو ليبتر أوصال المنطقة وتاريخها ، ضارباً عرض الحائط بإرادات الشعوب، ليدشن بذلك فصلاً…