خرائط المصالح من واشنطن إلى بكين من يمدّ الحرب ومن يريد إطفاءها؟

د. محمود عباس

حين أعلن دونالد ترامب اقتراب نهاية الحرب على إيران، بدا وكأنه يتحدث عن صراع يمكن حسمه بقرار أمريكي. لكن الواقع أكثر تعقيدًا؛ فهذه الحرب لم تعد قرارًا أمريكيًا خالصًا، بل أصبحت تقاطعًا لمصالح قوى كبرى وإقليمية، لكل منها حساباتها الخاصة في استمرار الحرب أو إنهائها.

في أوروبا، تبدو الصورة مزدوجة. دول حلف شمال الأطلسي لا ترغب في حرب طويلة، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع الوقوف خارجها بالكامل. فهي تخشى من أمرين متناقضين، تصعيد يهدد أمن الطاقة العالمي، وانسحاب أمريكي سريع يترك فراغًا استراتيجيًا في الشرق الأوسط. لذلك، تميل أوروبا إلى دعم محدود، سياسيًا وعسكريًا، مع الضغط المستمر نحو احتواء الصراع لا توسيعه. إنها تريد حربًا “مضبوطة”، لا نصرًا كاسحًا ولا هزيمة مفاجئة.

أما روسيا، فهي ترى في هذه الحرب فرصة لا تُعوّض. فكلما انشغلت الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، تراجعت قدرتها على التركيز في ملفات أخرى، من أوكرانيا إلى أوروبا الشرقية. روسيا لا تريد انتصارًا أمريكيًا سريعًا، لكنها أيضًا لا تريد انهيار إيران بالكامل. ما تفضله هو استنزاف طويل يضعف الجميع، ويُعيد تثبيت موقعها كلاعب دولي لا يمكن تجاوزه.

أما الصين، فمقاربتها أكثر براغماتية وهدوءًا. هي لا تريد حربًا، لأن استقرار الطاقة والتجارة هو أساس قوتها. لكنها في الوقت نفسه تستفيد من أي توتر يُضعف النفوذ الأمريكي ويعيد توزيع مراكز القوة. لذلك، تتحرك الصين بين دعم دبلوماسي لإيران، وضبط إيقاع التصعيد، مع الحرص على عدم الانجرار إلى مواجهة مباشرة. إنها توازن بين مصلحتين: الاستقرار الاقتصادي، وتآكل الهيمنة الأمريكية.

وفي الخليج، حيث يلامس الخطر الحدود مباشرة، تبدو الحسابات أكثر حساسية. دول الخليج العربي لا تريد حربًا شاملة، لكنها أيضًا لا تشعر بالأمان مع بقاء إيران قوية. لذلك، تتبنى موقفًا مركّبًا، دعم غير مباشر للضغط على إيران، مع السعي الحثيث لمنع انفجار شامل قد يهدد أمنها الداخلي واقتصاداتها. إنها تريد إضعاف إيران، لكن دون أن تدفع ثمن حرب مفتوحة على أراضيها أو في مياهها.

وهنا تتكشف الحقيقة الكبرى، لا يوجد طرف رئيسي، باستثناء ربما إسرائيل، يريد حربًا شاملة، لكن في الوقت نفسه، لا يوجد توافق دولي على إنهائها بسرعة. كل طرف يريد نتيجة مختلفة، وزمنًا مختلفًا، وشكلًا مختلفًا للنهاية.

أوروبا تريد احتواءً،

روسيا تريد استنزافًا،

الصين تريد توازنًا،

الخليج يريد أمانًا دون انفجار،

وأمريكا تريد نصرًا سريعًا يمكن تسويقه داخليًا.

لكن المشكلة أن هذه الأهداف لا تلتقي في نقطة واحدة.

في مثل هذه الحروب، لا يكون الخطر في قرار الحرب، بل في تضارب نهاياتها. فحين يريد كل طرف نهاية مختلفة، تتحول الحرب إلى حالة مستمرة، لا تُحسم بالكامل ولا تنتهي فعليًا، بل تُدار وتُعاد صياغتها مع كل مرحلة.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس، متى تنتهي الحرب؟ بل، هل هناك أصلًا اتفاق دولي على شكل النهاية؟

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

1/4/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فواز عبدي كثيراً ما يدور الجدل في الساحة السياسية حول اتهام حزب ما بالعمالة أو التبعية لجهة خارجية، بينما يسارع أنصاره إلى نفي ذلك بشدة واتهام الطرف الآخر أو حتى الناقد الحيادي بالخيانة. غير أن المشكلة في هذا السجال أنه غالباً ما يبقى أسير الشعارات والانطباعات، بدل أن يستند إلى منهج يساعد المجتمع على فهم ما يجري وتقييمه بوعي. فمن…

لوند حسين* أدلت السيدة گوهَر حيدر، المتحدثة باسم الهيئة المرحلية للحركة الوطنية الكُردية (بزاڤ)، بتاريخ 4 نيسان 2026، بتصريحٍ أعقب الاجتماع السابع بعد المائة لهيئتهم، وهو تصريح يثير كثيراً من الشفقة والاستغراب، ولا يمكن التعامل معه بوصفهِ مُجرد اجتهاد سياسي عابر؛ إذ يعكُس في جوهره أزمة عميقة في فهم معنى العمل الوطني الكُردي الجامع، وحدود الشرعية السياسية، وآليات إنتاج التمثيل…

عدنان بدرالدين القراءة السابقة في ضوء التطورات في القراءة التي سبقت هذه المرحلة، لم تكن الفكرة الأساسية أن النظام الإيراني قوي، ولا أن خصومه عاجزون، بل إن المواجهة نفسها كانت تتحرك داخل معادلة تمنع الحسم الكامل. كان المعنى أن إيران تمثل نموذجًا لنظام يعاني ضعفًا بنيويًا واضحًا، لكنه لا يسقط بسهولة، وأن الضغط العسكري والاقتصادي مهما اشتد لا يتحول تلقائيًا…

نورالدين عمر البيان الذي صدر باسم المنظومة الكردستانية حول يالجين كجوك كان، في الحقيقة، لافتا وربما مستغربا إلى حد ما. فهذا الرجل يعد من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في المشهد السياسي والفكري التركي. عرف يالجين كجوك كأكاديمي ومؤرخ وكاتب ومنظر سياسي يساري، وقد ولد عام 1938 وتوفي في 6 أبريل 2026. اشتهر كجوك بجرأة آرائه وتقلب مواقفه، وانخراطه العميق…