شيرين خليل خطيب
في وقتنا الحالي، أصبح من السهل رؤية ما أسميه بـ”وهم الاستحقاقية” عند أغلبية النساء. الظاهرة واضحة: هناك نساء يعتقدن أن كل رجل يجب أن يخضع لهن، يقدسهن، ويحقق كل رغباتهن بلا نقاش، حتى وإن كانت تلك الرغبات خيالية أو سخيفة. للأسف، كثير من هذه النساء لا يمتلكن أي أساس حقيقي للمعايير العالية التي يفرضنها: لا نضج عاطفي، ولا صبر، ولا قدرة على الاحترام المتبادل، فضلاً عن تصنعهن بامتلاك ما لا يمتلكنه بحيث ينطلي هذا الأمر على أغلبية الرجال حتى الذين يعتبرون أنفسهم أذكياء. ومع ذلك، تجدهن يرفعن سقف المطالب وكأنهن ملكات بلا منافس، ويعتبرن أي رجل لا يلبي رغباتهن بالكامل وغير المشروط، غير كفء أو بلا قيمة.
إذا نظرت حولك على وسائل التواصل الاجتماعي، سترى أمثلة يومية: منشورات تدّعي أن المرأة “الأعلى قيمة”، يجب ألا تتنازل أبداً. بعض النساء يضعن شروطاً تبدو كأنها من عالم الخيال: سيارة فاخرة، راتب خيالي، شخصية مثالية، مع تناسي أن الرجل الحقيقي لديه أحلامه، مشاكله، وحياته الخاصة. هذا الخضوع المفروض على الرجل لا يخلق احتراماً، بل إحباطاً وغضباً خفياً، وغالباً ما ينتهي بالانسحاب أو البحث عن علاقات أكثر توازناً.
الواقع المؤلم هو أن بعض هؤلاء النساء يرفضن أي تقييم أو نقد ذاتي. المرأة التي تعتقد أن كل شيء مستحق لها من دون سبب، غالباً ما تكون غير صالحة لبناء أسرة أو علاقة مستقرة. فهي تفتقر إلى التواضع، إلى القدرة على التضحية، وإلى مهارات التعامل مع الاختلافات. ونتيجة لذلك، تتحول العلاقات العاطفية إلى تجارب مليئة بالصراعات، أو إلى نهاية مبكرة قبل أن تبدأ العلاقة أساساً. ولنعترف لأنفسنا بكل جرأة أن الناس الحقيقيين قليلون جداً… الناس الذين يعترفون جدياً بما يملكونه وما لا يملكونه، بما لهم وما عليهم، بما يكون في مقدورهم وما هو فوق قدراتهم، بما هم عليه فعلاً.
ولنكن منصفين أيضاً أن الاستحقاقية المبالغ فيها ليست حكراً على النساء، لكنها آفة العصر عند من يربط قيمته بمقدار الخضوع الذي يحصل عليه. العلاقات الصحية تتطلب توازناً، احتراماً متبادلاً، وفهماً عاطفياً نابعاً من الجينات لا من الاكتساب. الرجل لا يُقدَّسُ لمجرد وجوده، والمرأة ليست “أعلى قيمة” لمجرد مطالبها العالية أو جمالها. أي علاقة مبنية على الخضوع الكامل أو التقديس الأعمى مصيرها الفشل.
هذا الشعور بالاستحقاقية ليس مجرد سلوك اجتماعي، بل انعكاس لتحولات ثقافية واجتماعية عميقة. فقد أدى تزايد تمكين المرأة في بعض المجالات إلى سوء فهم فادح: إذ لا يعني الحق في الاختيار أو الاستقلال المالي أن يصبح الرجل خادماً أو عبداً. ومع ذلك، بعض النساء وصلن إلى مرحلة يعتبرن فيها كل رجل يجب أن يرفعهن على أكتافه، ويحمل مسؤولياتهن العاطفية والعملية، بينما هو يظل في الغالب مستسلماً لإملاءاتهن. وهذا خلق فجوة كبيرة بين الواقع والطموحات. والنتيجة واضحة في الحياة اليومية. وأيضاً على وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن رؤية هذا الشعور في الرسائل، والمنشورات، والتعليقات التي تروج لمفهوم “المرأة الأعلى قيمة”، وكأن الرجل يجب أن يركع لها أو يقدسها من دون سبب وجيه فقط لأنها أنثى. في الواقع، هذا النوع من الاستحقاقية المبالغ فيها غالباً ما يقابله خضوع الرجل لخطاب لم يطلبه هو، وأحياناً إلى درجة إحباطه من إيجاده لعلاقة حقيقية. الرجل، بدوره، قد يبدأ في الانسحاب أو التململ، أو الانجذاب إلى علاقة أكثر توازناً، مما يخلق حلقة مفرغة من الاستياء والفشل العاطفي.
هنا تأتي الطامة الكبرى: انتشار مجال ما يسمى بـ”التنمية البشرية” وتأثيره في النساء، خاصة (المثقفات) منهن. هذا المجال الذي يُسوّق فكرة أن (كل امرأة يجب أن تثق بنفسها بلا حدود، وأن تحب نفسها كما هي) يخلق لدى بعض النساء شعوراً مبالغاً فيه بالاستحقاقية. المشكلة ليست في رسائل التنمية البشرية الجوهرية، بل في الطريقة التي تُفهم بها هذه الرسائل بشكل سطحي. هناك نساء ذوات جمال متواضع، أو محدودات التجربة الثقافية، يتبعن هذه البرامج أو يتبعن المؤثرات بهذا المجال، ثم يكتسبن ثقة مستفزة بلا أي أساس حقيقي: لا تطوير حقيقياً لشخصيتهن، ولا مهارات اجتماعية، ولا تحسين لمظهرهن أو ثقافتهن العامة أو الإنسانية أو الأخلاقية قبل كل شيء.
النتيجة، نساء يملأن العالم بثقة زائدة، يتوقعن الطاعة والتقديس من الرجال، ويعتقدن أن مكانتهن أسمى من الواقع، فقط لأنهن “تعلَّمْنَ” أن يحببن أنفسهن ولأنهن إناث. وكأن الثقة بالنفس يمكن شراؤها أو تحميلها من فيديوهات قصيرة ومحاضرات سريعة، دون العمل الجاد على الشخصية أو الشكل أو الثقافة أو ترويض النفس أخلاقياً وإنسانياً. أحياناً أقف أمام إحداهن، لا سيما الواثقة من نفسها والمثقفة منهن (كما تدعي هي)، وأقول لنفسي بدهشة صامتة: “يا ربي، من أين أتين بكل هذه الثقة! فقط لو كان عندي ربع ثقتهن”.
الجرأة الحقيقية هنا هي مواجهة هذه الحقيقة بلا مواربة: ليس كل ما يُسمى (تنمية بشرية) يضيف قيمة حقيقية، وأحياناً يكون مصدراً لتضخم الأنا، وليس لتطوير الشخصية. إذا أردنا مواجهة وهم الاستحقاقية، يجب تعليم النساء والمجتمع أن الثقة الحقيقية تأتي من الإنجاز، النضج، احترام خصوصية حيوات الآخرين وحدودهم، والعمل على الذات، لا من شعارات سريعة أو فيديوهات ترفع الأنا بلا أساس. الاحترام المتبادل، التطوير الذاتي الحقيقي، والوعي بالنقاط القوية والضعيفة هي وحدها الركائز التي تجعل من المرأة فعلاً “مُستَحقّة”لا مجرد وهم يُسوّق على أنه تنمية بشرية.