وإن اختلفنا.. حيا الله الشيوعيين!

كفاح محمود

  في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح مكانة خاصة في وجدان أجيال من العراقيين. فمنذ بداياته، لم يكن هذا الحزب مجرد تنظيم سياسي يسعى إلى موقع في السلطة، بل كان، في أحد أبرز وجوهه، تعبيرًا عن نزعة أخلاقية ووطنية رأت الإنسان قيمة عليا، ورأت العدالة شرطًا لازمًا لكرامة المجتمع، لذلك لم يقتصر حضوره على البيانات والشعارات، بل تجلّى في المعلم والعامل والكاتب والطالب، وفي تلك النماذج البشرية التي منحت السياسة معنى أنظف، وربطت الوطنية بالسلوك اليومي لا بالادعاء الخطابي.

  ولعل ما ميّز الشيوعي العراقي، في الذاكرة العامة، أنه لم يكن مجرد حامل لفكرة أيديولوجية، بل كان غالبًا حاملًا لخلق مدني رفيع، كثيرون ممن لم ينتموا إليه، تعلّموا على أيدي شيوعيين أولى معاني احترام الإنسان، وحب الوطن، والانحياز إلى الفقراء، والإيمان بأن المرأة ليست هامشًا في المجتمع بل شريكًا كامل الكرامة، وأن التنوع القومي والديني ليس لعنة على العراق، بل إحدى حقائقه الكبرى التي لا تستقيم الدولة من دون الاعتراف بها وإنصافها.

  ومن بين أكثر المواقف التي تُحسب لهذا الحزب، موقفه الإنساني والوطني المتقدم من القضية الكردية، في زمنٍ كان فيه كثيرون ينكرون على الكرد حتى حقهم في الاعتراف والإنصاف، يوم رفع شعاره المعروف: الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان، لم يكن يطلق عبارة دعائية عابرة، بل كان يعبّر عن فهم مبكر لطبيعة العراق بوصفه وطنًا متعدد القوميات والمكونات، لا يستقر بالقهر ولا يُدار بالإنكار، ومن هذه الزاوية أيضًا، انفتح خطابه على بقية المكونات العرقية والدينية، مؤمنًا بأن المواطنة الحقة لا تتجزأ، وأن العدالة لا تكون عدالة إذا استثنت قومية أو دينًا أو لغة.    لقد دفع الشيوعيون العراقيون أثمانًا باهظة من دمهم وحريتهم وسمعتهم الاجتماعية، سجونًا ومطاردات ومنافي وتشويهًا وتكفيرًا، لكنهم ظلوا، في صور كثيرة، مثالًا لنظافة اليد، ونبل السلوك، والإخلاص لفكرة الوطن العادل، ولهذا بقيت صورتهم، بالرغم من كل ما تعرضوا له، أوسع من حدود التنظيم، وأرسخ من حملات التخوين والإقصاء.

  صحيح أننا لسنا شيوعيين، وربما نختلف معهم في بعض الأفكار والمبادئ والرؤى، لكن الإنصاف يقتضي أن يقال بوضوح إن هذا الخلاف لا يلغي كونهم، في جانب كبير من تاريخهم، مدرسة وطنية عراقية رفيعة، بسلوكها المدني، ونظافة انتمائها، وسموّ مواطنتها، وإخلاصها الصادق للفقراء والمظلومين، واحترامها لحقوق الكرد وسائر المكونات العراقية، ولذلك فإن التحية في ذكرى تأسيسهم لا تُهدى إلى حزب فقط، بل إلى تقليد نضالي وأخلاقي علّم العراقيين أن الأوطان لا تُبنى بالغلبة، بل بالعدالة، ولا تصان بالشعارات، بل بالخلق والوفاء والتضحية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…

– ستشارك أكثر من 600 طائرة حربية وعسكرية من كافة أصناف الطائرات في أضخم عملية مكثفة لأقصى درجة من الدقه والانضباطيه في تاريخ الحروب. – سوف يتم استهداف كافة الحسور الرئيسية في كافة أنحاء إيران لعزل طهران عن باقي المحافظات – سوف يتم استهداف محطات الماء والكهرباء لتتحرك مباشرة مجاميع الثوار المسلحة في طهران – سيبدأ الهجوم الكردي من “شمال…