هل تحكم الدولة أم العشائر؟

حسن برو

عند التأمل في خريطة النفوذ في سوريا، يتبين أن السؤال المركزي لم يعد محصورا في: من يحكم الدولة؟ بل تطور إلى سؤال أكثر عمقا وإلحاحا: هل ما زالت هناك دولة فعلا، أم أن منطق العشائر و«الفزعات» أصبح الأداة الأساسية لإدارة الشأن العام؟
خلال سنوات الصراع، لعبت العشائر أدوارا متباينة، لكنها في كثير من الأحيان كانت أدوارا وظيفية أكثر منها وطنية، ففي المراحل التي رجحت فيها كفة النظام، اصطف عدد كبير من العشائر إلى جانبه، وشارك في مواجهة معارضيه، بمن فيهم أبناء هذه العشائر أنفسهم. ومع تغير موازين القوى، شهدنا انتقالا سريعا في المواقف والولاءات، ونقلا للسلاح والنفوذ من جهة إلى أخرى ( من كتف لأخر )، وفق منطق المصلحة الآنية لا الثوابت السياسية أو الوطنية.
هذا الواقع لم يكن طارئا، ولم ينشأ من فراغ. بل جاء نتيجة مباشرة لغياب مؤسسات الدولة أو تفريغها الممنهج من مضمونها ووظيفتها ،فالدولة التي أضعفت مؤسساتها بنفسها، واحتكرت القرار دون بناء شرعية حقيقية، فتحت المجال أمام قوى ما دون الدولة لتملأ الفراغ، وقد استثمر النظام هذا الواقع طويلا ، ثم أُعيد توظيفه لاحقا من قبل الحكومة المؤقتة، عبر الاعتماد على الوجهاء والعشائر ومنطق الفزعات كأدوات لإدارة الأزمات بدل حلها.
وقد تجلى هذا المسار بوضوح في ما شهدته مناطق الساحل السوري والسويداء، حيث أُديرت التوترات الاجتماعية والسياسية عبر حلول مؤقتة واتفاقات غير مؤسسية، بدل معالجة الأسباب البنيوية للأزمة. كما ظهر هذا النهج بشكل مستمر في المناطق الكردية، حيث تداخلت الاعتبارات الأمنية والعشائرية مع الحسابات السياسية، في ظل غياب إطار وطني جامع ينظم العلاقة بين المجتمع والدولة.
زمنيًا، يمكن تتبع هذا المسار بوضوح. فما قبل عام 2004 في المناطق الكردية بدءا من عين ديوار ونرورا بكوباني وعشرين وليس انتهاء بأحياء دمشق ( زورأفا وركن الدين ) وأعيد أحيائها مرة أخرى لمواجهة الاحتياجات في عام 2011، كانت الدولة تبدو مركزية وقوية ظاهريا، لكنها في الواقع كانت تعاني من ضعف عميق في مؤسساتها، وتهميش دور القانون لصالح الولاء. ومع اندلاع الاحتجاجات، انقسمت العشائر بين مؤيد ومعارض، وسارع النظام إلى استمالة شيوخها عبر المال والسلاح والحماية، في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي ، ثم جاءت مرحلة عسكرة المجتمع، فتحولت العشائر إلى خزان بشري للميليشيات، وتراجع مفهوم الدولة لصالح سلطة السلاح والفزعة.
في المرحلة اللاحقة، ولا سيما بين عامي 2016 و2019، ترسخ اقتصاد الحرب، وباتت العشائر تستخدم كأدوات ضبط اجتماعي وأمني، ضمن تسويات شكلية أبقت النفوذ الحقيقي خارج إطار القانون.
أما في السنوات الأخيرة، فقد أُعيد إنتاج الأسلوب ذاته تحت مسميات مختلفة، عبر إدارة المناطق بالوجهاء والفزعات، مع تصاعد الاحتجاجات، وتزايد التوترات، وتعميق الانقسامات المجتمعية.
وهنا لاتكمن لإشكالية في سوريا لا في العشائر بوصفها مكونات اجتماعي أصيل ومتجذر في المجتمع، بل في تحويلها إلى بديل قسري عن الدولة. فالدولة التي تدار بمنطق الفزعات لا يمكن أن تنتج استقرارا مستداما، والعشيرة التي تستخدم كأداة سلطة تفقد دورها الطبيعي كإطار اجتماعي جامع، ليبقى المجتمع عالقا بين فراغ الدولة وفوضى القوة.
إن الخروج من هذا المأزق لا يكون عبر إدانة المكونات الاجتماعية أو تحميلها وحدها مسؤولية الانهيار، بل عبر إعادة بناء الدولة على أسس القانون والمؤسسات والمواطنة المتساوية، وإعادة تعريف دور العشائر ضمن إطار وطني واجتماعي جامع، يضمن الاستقرار، ويضع حدا لإدارة البلاد بمنطق المؤقت والهش.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…